الصفحة 107 من 291

وكأنما هذه الفئة لا تجدُ راحَةَ صُدورها إلاَّ في إطلاق كلمة الكُفر أو الجاهليَّة، تحكم بهذه، أو تلك على مجتمع كلُّ ملايينه مسلمون (52) .

وقَد وجدَ هذا الحُكْم سبيلًا إلى قلوب الأُلوف من الشباب المتحمِّس، فاستقرَّ فيها اعتقادًا جازمًا، فحرَّموا على أنفسهم، غشيان المساجد، والصَّلاة وراء أئمَّتها، وكفَّروا الحكَّام الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وعدُّوهم مُشركين، وتوكَّؤوا على فهمٍ غير قويمٍ، لآياتٍ من كتاب الله تعالى.

ثمَّ وسَّعوا دائرةَ حكمهم على المجتمع، فقالوا: إنَّ كلَّ أهله يَدينون دين الجاهليَّة، ومن يرضى بحكم حكَّام المسلمين الآن؛ فهو كافرٌ مثلهم، سواءٌ أكان رضاه سكوتيًَّا أو قوليًَّا.

ولعلَّ آيات سورة المائدة الثَّلاث، وهي التي تَصِفُ من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر والظُّلم والفسق، النَّازلة في حقِّ أهلِ الكتاب هي أظهر الأدلَّة على ما ذهبوا إليه من الغُلُوِّ في حكمهم على المجتمع بأسره، أو على الحكَّام فقط وأعوانهم.

لكنَّ الإطلاقَ القُرآني هذه الأوصافَ الثَّلاثة على من لم يحكم بما أنزل الله إنَّما هو لِجُحودِ أهل الكتاب حكمَ التَّوراة والإنجيل، وكفرهم بحكمهما كفرًا إنكاريًَّا، وعدم اعتقادهم صلاحَهُ فيهم، فهذا كفر اعتقاديٌّ قلبيٌّ، والله سبحانه هو أعلم بما يخفي أهلُ الكتب هؤلاء من كفرهم بكتابهم.

وهل من لا يحكم بما أنزل الله -وهو موقنٌ بقلبه أنَّ ما أنزل الله ممَّا لا يحكم هو به لأمر ما، هو خيرٌ وأفضل ممَّا يحكم به من غير ما أنزل الله، بل لا سبيل للمفاضلة عنده- يستوي هو ومن على مثل ما وصف الله به أهل الكتاب الذي قضى الله سبحانه بكفرهم لجحودهم وإنكارهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت