فهرس الكتاب
هذه المسألة هي: التَّكفير بظواهر معاني نصوص القرآن والسُّنَّة، مثل قول الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة: آية 44] ، ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم:"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر"، ونصوص كثيرة أُخرى غيرها ضلَّت فيها عقول وتاهت فيها فهوم، وأوفت منها على بَوَادٍ لا عشب فيها ولا ماء (51) .
لقد أتى زمان على المُسلمين انحسرت فيه عن حياتهم المناهج العلميَّة التي تهدي إلى إنشاء مَلَكةٍ علميَّةٍ موحَّدةٍ، يتَّفِقون بها على الحُكم، حتى على المجتمع الواحد الذي يعيشون فيه، وهي المَلكة التي يُنشئها الكتاب والسُّنَّة، فتفرَّقوا شيعًا وأحزابًا، وصاروا إلى حالٍ مُحزنةٍ من السُّوء والاضمحلال النَّفسي والفكريِّ، وصار اعتزازهم بغير ما ورَّثهم السَّابقون الأوَّلون من أبناء جلدتهم، واجتالهم الشيطان من مكامن وحدتهم وقوَّتهم، وأضحوا عالةً على موائد الثَّقافات والمناهج الفكريَّةِ والعلميَّةِ المُضادَّةِ لمناهجهم وثقافتهم الرَّشيدة، وصارَ المجتمع الواحد مجتمعات، والحياةُ الواحدة حَيَواتٍ، والجيل الواحد أجيالًا، وتعدَّدت الأحكام، وتناقضت التَّصوُّرات، وتباينت الأوصاف.
وممَّا ساعد على هذا كلِّه، وجودُ فئةٍ حسبوا أنفسهم يعلمون ما لا يعلم العلماء، ووضعوا أنفسهم مواضع لم يُحسنوا أن يَثبتوا فيها على مقاعدهم إلاَّ بقدر ما أفرغوا كلَّ ما حفظوه ممَّا حسبوه علمًا نافعًا، ولو أنَّهم علموا أنَّهم ما علموا لكان خيرًا لهم وأقوم، حتى يستبين لهم الحقُّ، ممَّن علموا وأحسنوا وأحكموا ما علموا.
وقد أوهَنَ الجهلُ بالإسلام الأُمَّة، وأرادَها أن تأتيه على رغم منها بجهلها، وآتاها من لدنه علمًا صالحًا إلاَّ وهي تسعى إلى معاطن السُّوء؛ التي تنسى فيها مقتضى كلمة التَّوحيد؛ شعار الإسلام، وعنوان الإيمان، والحاقن دماءَ النَّاطقيها.