فهرس الكتاب
رابعًا: إن قلنا بالتَّكفير بظواهر النُّصوص، فيجب طرد هذا حتى في النُّصوص التي جاءت نصوص أُخرى غيرها تنفي عن الموصوفين بالكفر فيها هذا الوصف، وهذا لا ينبغي أن يقول به عالمٌ قطٌّ، فإن قال به فهو غير حقٍّ، وعليه أن يُعيد النَّظر في فقه النُّصوص التي تبدو متعارضة في ظواهرها، وهي ليست كذلك.
ونسوق لذلك مثلين اثنين:
الأوَّل: قوله صلى الله عليه وسلم:"سبابُ المسلم فسوقٌ وقتاله كفر" (61) ، فإن أخذنا بظاهر قوله:"قتاله كفر"حكمنا عليه بالكفر الذي يحكم به على الكفَّار والمشركين الذين يعبُدون غير الله، ويتَّخذون دينًا غير الإسلام، لكن صريح القرآن ينفي هذا الحكم عن المسلم الذي يقاتل مُسلمين آخرين بظاهر لفظه، وذلك قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [سورة الحجرات: آية 9] .
فقد سمَّى الله الطائفتين المتقاتلتين في هذه الآية -سواءٌ الباغيةُ، والمبغيُّ عليها- بالمؤمنين، ومقتضى القول بتكفير المُقاتِل جماعةَ المؤمنين -كما هو ظاهر قوله:"قتاله كفر"- يقتضيها القول بتكفير من لم يكفِّرْ الله في هذه الآية، وإن نحن كفَّرنا من لم يكفِّر الله عزَّ وجلَّ كذَّبنا صريح القرآن الكريم.