الصفحة 187 من 291

ومِمَّا يُحزن النَّفس حقًَّا، أنَّ طغيان الحماسة الدِّينيَّة التي لا تقوم على فقهٍ سليمٍ، أخرج الأُمَّة عن دائرة الصِّدق حتى مع النَّفس، وأولجهم تيهًا شرَدت فيه أبصارهم، وضلَّ فيه صبرهم، وتمارى فيه جهلهم، فإذا هم طوائف شتَّى، وجماعات مختلفة، يلعن بعضها بعضًا، ولا تذكر الواحدة للأخرى إلاَّ ما يبرأ منه إبليس، ويستخفي منه حياءً!! ولا تُضمرُ لها إلاّ سوءًا تراه من جهلها وسوءِ ظنِّها قربًا زُلفى إلى الله عياذًا بالله، وكل واحدةٍ منها تظنُّ بنفسها أنَّها على هدىً وبصيرةٍ، ولا أحسب حالَ الفِرَق التي أخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّها ستكون في الأُمَّة، بأسوأ من حال الجماعات والطَّوائف، الموجودة اليوم -وكلُّها تَدَّعي أنَّها من أهل السُّنَّة والجماعة!-، ألا إلى الله وحده المشتكى، ومنه العياذ، وفيه وحده الرَّجاء.

ويحسنُ أن لا يفهم أحدٌ من القرَّاء أنَّني أدعو إلى تعطيل فريضة الجهاد في هذا الوقت، والأُمَّة تذوق من الهوان المرِّ، والذُّلِّ المهين، والبلاء الوبيل، ممزوجةً جميعها في كأسٍ واحدةٍ تُقطِّع أمعاءَها، وتشوي أجوافها، وتُذيب أكبادها!!

إنَّ من يقول بتعطيل فريضة الجهاد في أيِّ وقتٍ من الأوقات، يسقي نفسه من سوءِ العذاب ما يسقيها، وفرقٌ واسعٌ جدًا بين من يقول بتعطيل فريضة الجهاد، وبين من يقول: يجب الإعداد الصَّحيح لها، ولو استغرق هذا الإعداد سنينَ طويلةً؛ لأنَّ في الإعداد امتثالًا لقوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ} [سورة الأنفال: آية 60] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت