الصفحة 188 من 291

ومَن أنعَمَ النَّظر في هذا النَّص يرى أنَّه يكاد ينطق بوجوب الإمساك عن الجهاد حتى يكون الإعدادُ على تمامه -وقد يكون من الإعداد تَرْكُ الإعداد- إذ الإعداد يُقصد به إرهاب أعداءِ الله، وأعداءِ المسلمين، وإذا لم يتمَّ على الوجه الذي يُدخل الرُّعب في قلوبهم، ويؤرِّقُ عليهم مضاجِعهم، وينفي الرَّاحة والاستقرار والأمن عنهم، فليس هو الإعداد المطلوب، وإلاَّ فما معنى قوله: {تُرْهِبُونَ} ؟!

والإعداد يكون بالوسائل الشرعيَّة التي تحقِّق الغاية منه، وهو: إرهاب الأعداء، وهو أقلُّ غَرَضٍ من أغراض الجهاد، فكيف، وليس لدينا من الإعداد ما يكفي أن نرفع أصواتنا بذكر لفظ إرهاب الأعداء؟

أضف إلى هذا، أنَّ الإعدادَ اليومَ غيرُه بالأمس، فإعدادنا: وسائله، وآلاته، ومادَّته، كلُّها بيد أعداء الأُمَّة في الحقيقة والواقع، وإن قالوا ووصفوا أنفسهم أنَّهم أصدقاؤنا!! فَبِيَدهِم كل ما تملك الأُمَّة من آلة الحرب التي دفعت الأُمَّة ثمنها من مالها الذي لا تملكُهُ إلاَّ بحفظ الأرقام، وكل قطعة سلاح، أو سيَّارة، أو دبَّابة، أو طائرة، أو مدفع، أو غير ذلك، محصاةٌ بالعدد، والرَّقم، والنَّوع، والوصف، فهل يُتصوَّر عقلًا أن نُرهِب عدوَّنا بما نملك وهو ليس ما نملك؟ وسيَّان عنده ما نملك وما لا نملك!

وليس يُنبيك عن حالٍ مثل لسان الحال! فهل لنا أن نسأل حالنا عمَّا حلَّ بنا وأحالنا إلى حالٍ يضحك منه عدوُّنا، ويُريحهُ من التَّفكير في أمرنا؟!!

ولك أن تستقرىء الآيات التي جاءت مكمِّلةً لآية الأمر بالإعداد وموضِّحةً، لتعلم أنَّ أفضل الجهاد اليوم -في وَهننا الذي نحنُ فيه- هو الإمساك عن الجهاد، وهذا -ولا ريب- عندي هو من الإعداد الذي تُوَفَّرُ فيه الجهودُ إلىماهو ممكنٌ ومقدورٌ عليه من أنواع الجهاد، حتى تصير مفاتيح خزائن سلاحنا بأيدينا نفتحها متى نشاء، ونغلقها متى نشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت