فهرس الكتاب
إنَّ الأُمَّة التي لا تعرف قَدْرَ نفسها هي التي تجعل من مقوِّماتها الموروثة حقلًا للتَّجارب، تعبث به العقول والأقلام، لينتهي الأمر إلى التَّفريط فيها، إمَّا بتغييرها، وإما بسلخها عن ماضيها، حتى إنَّ النَّاظر إليها ليكادُ يظنُّها -وهي أشياء متناثرة مقطَّعة- بعضًا من أجزاء الأرض التي لا قيمة لها، تمتدُّ إليها يد الإنسان لإزالتها وإخفائها.
والأُمَّة المسلمة أغنَت نفسها في الماضي بولائها لدينها -وهو أعظم مقوِّمات وجودها- والتصاقها بعقيدتها، وإسباغها على نفسها ثوبَ الإيمان الذي صنعه لها نبيُّها صلى الله عليه وسلم بوحي من ربِّه، وألبَسها إيَّاه لتكون أُمَّةً ممتازَةً من سواها من الأُمَم.
ولَقد ظلَّت الأُمَّة المسلمة قويَّة في نفسها، قادرةً على العطاء قرونًا طويلة رغمَ ما اعتراها من ضعفٍ في فتراتٍ متقطِّعةٍ من تاريخها، كان دينها يُقصي عنها هذا الضَّعف، وتمضي به إلى غايتها تشيدُ المجد والعزَّة لنفسها والأمن والسَّعادة لغيرها.
فلمَّا أن خالفت الأُمَّة عن دينها، ونزعت ثوب إيمانها، وأزهقت الميراث الذي آل إليها من السَّابقين الأوَّلين، لم تعد قادرة -ليس على العطاء- بل على التَّماسك والثَّبات في و جه رياح الفكر التي تهبُّ عليها بين الحين والآخرَ من كلِّ الآفاق والأقطار، تنزعها من بقايا مقوِّماتها التي صارت تشبه الأحلام المختلطة، وتحكي الرُّؤى الواهمة، حتى إنَّ الأجيال القادمة سوف لا تراها -لا أحلامًا مختلطة، ولا رُؤىً واهمة- بل ستكون في أعينها سرابًا مضطربًا بِقيعةٍ، يُقطِّع أنفاسها، ولا تدرك منه ريًَّا لظمئها.