الصفحة 193 من 291

ثانيًا: إذا كانَ الدَّاعون إلى هذه المقولة لم يضعوا لها تعريفًا ولم يرسموا لها حدًَّا، فلنضع نحن لها تعريفًا تقريبيًَّا -كما يُقال- ثمَّ لنَنظر، هَل يقوى هذا التَّعريف على الثَّبات أمام النَّظر العلمي المحض بما نورده في الفقرات الآتية، أو أنَّه لا يثبت. لنقل:"اللباب في المأمورات الشرعيَّة هو ما يدخل تحت الحكم الواجب، والقشر هو ما جاوز دائرة الحكم الواجب، أمَّا اللباب في النَّواهي فهو ما يدخل تحت الحكم الحرام، والقشر هو ما لم يتناوله الحرام الصَّريح في النَّواهي"، وعلى ذلك فالقشور في المأمورات: كلُّ مندوبٍ أو مُباحٍ، وفي النَّواهي المكروهات، وبذلك فإنَّه يجتمعُ لدينا من القشور ما يزيدُ على نصف الدِّين، ويبقى لنا من لبابه اقلُّ من النِّصف، فهل من الوَرع في الدِّين، أن ندع لعذر لا يُدرى مأتاه -إلا من جهل أو هوى أو غفلة- أكثر من نصف الدِّين قشورًا، لنأخذ أقلَّ من نصفه لبابًا؟

ثالثًا: نسأل هؤلاء المفرِّقين في الدِّين بين القشر وبين اللباب إذا اتَّفقوا معنا على التَّعريف الذي أسلفنا، أين يضعون بعض المسائل المختلف عليها بين الواجب والمندوب أو بين الحرام والمكروه؟ حسب التَّعريف الذي وضعناه لكلٍّ من اللباب والقشر، ففي الأوامر نأخذ مثلًا صلاة الوتر، فهي عند أبي حنيفة رحمه الله واجب يأثم تاركه، وعند جماهير العلماء -ومنهم الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله- سنَّة لا يَأثم تاركها ويُثاب فاعلها، ففي إيِّهما نضع صلاة الوتر، أفي القشر أم في اللباب؟

وفي النَّواهي نأخذ مثلًا شارب المسكر"من غير العنب"، فإنَّه لا يُجلد عند أبي حنيفة إلاَّ إذا سكرَ وثَمِلَ، وعند الجمهور يجلد لمجرَّد شربه، وسواءٌ أكانَ المُسكر من عنب أم كانَ من غير العنب، ففي أيِّهما أيضًا نضع وجوب الجلد لشاربها أفي القشر أم في اللباب؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت