الصفحة 197 من 291

ثامنًا: لست أقول بأنَّه لا تكون أولويَّات في الدَّعو، فلا يتقدَّم شيء على شيء، فمثلًا: إذا رُئيَ إنسانٌ يعاقر الخَمر وهو تارك للصَّلاة، فإنَّه يدعى إلى الصَّلاة أوَّلًا لأمرين اثنين:

1-أنَّ إثمَ شرب الخمر لا يبلغ إثمَ ترك الصَّلاة.

2-أنَّ فعل الصَّلاة يعين على ترك المنكر؛ كما قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [سورة العنكبوت: آية 45] ، لكن هذا ليس بمانع الدَّاعية في الوقت نفسه، إذا رأى إنسانًا مُرتكبًا إثمين، أن يقدِّم الأصغر على الأكبر منهما، إذا كانَ مرتكبُهما أدنى إلى الاقتناع بترك الأصغر قبل الأكبر، فالدَّاعية هو الذي يستطيع أن يحدِّد الأهم من الأمرين، أو من الأُمور جميعًا، وقد كانَ النَّبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مع أصحابه، فكان إذا رأى آحادًا منهم، يفعل كلُّ واحدٍ منهم شيئًا أو يترك شيئًا، لا يدعه يمر إلاَّ وأمر هذا ونهى هذا، حرصًا منه على أن ينال كلٌّ منهم الخير وإن كانَ قليلًا، وأن يعلِّم كلاٍّ منهم علمًا نافعًا يحرصُ علىتبليغه النَّاسَ، فيناله فضلُ إبلاغ الدَّعوة، الذي أمر به النَّبي صلى الله عليه وسلم:"بلِّغوا عنِّي ولو آية، فربَّ مُبلَّع أوعى من سامع" (24) ، ودعا بالرَّحمة لمَن فعله:"رحم الله امرءًا سمع مقالتي فبلَّغها كما سمعها" (25) .

ولا يقال هنا: إنَّ مجتمع الصَّحابة مختلفٌ عن مجتمع المسلمين اليوم، فكلُّ مجتمع في حاجة إلى الدِّين كلِّه؛ آدابه، ومعاملاته، وعباداته، وعقائده، وانتقاصُ أيِّ أمرٍ من هذه الأُمور هو انتقاصٌ من الدِّين والإيمان، ولا يُزيله إلاَّ الرُّجوعُ عنه، وقد أخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم بما سيكون من شأن الأُمَّة مع دينها، ونقضها عراه، فقال:"لتُنقَضَنَّ عُرى الإسلام عُروة عُروة، فكلَّما انتقضت عروة تشبَّث النَّاس بالتي تليها، وأوَّلُهنَّ نقضًا الحُكم، وآخرهنَّ الصَّلاة" (26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت