الصفحة 198 من 291

تاسعًا: إنَّ التَّفريط في الأمر الصَّغير يؤدِّي إلى التَّفريط في الأمر الكبير؛ لأنَّ استمرار هذا التَّفريط ينشىءُ في الإنسان عادة تنتهي به إلى التَّهاون فيما يفعل، والأمَّة كلُّها تعلم أنَّ هناك كثيرًا من عرى الدِّين وأحكام الإسلام مَقصِيَّةٌ عن واقعهم، ولا يُستطاع الوصول إليها أو التَّحدُّث عنها، وبعض هذه العرى ممَّا يترتَّب عليه إقامة حكم الله في الأرض، وحماية بيضة الإسلام، فهل من الحكمة والإيمان معًا أن يَتْرُكَ الدَّاعية الدَّعوةَ إلى ما بقي مِن عرى الدِّين وأحكام الإسلام -وأغلبها ممَّا يدخل في عداد القشور بِزَعمهم- بعذر أنَّه لا يقدر على هذه أو تلك منها؟ إنَّه لقولٌ عجابٌ، وأي الأمرين يكون أحسن، أن يدع القادر على البعض، هذا البعض المقدور على فعله، البعض غير المقدور عليه أو أن يَدع غير المقدور عليه للمقدور عليه فيفعله؟‍!

عاشرًا: وأخيرًا؛ فإنَّ هذا التَّفريق لم يُعرف في سلف الأُمَّة من الصَّحابة والتَّابعين وتابعيهم بإحسان، فقد كانوا أحرص النَّاس على الاستجابة لكلِّ أمرٍ فيفعلونه، وعلى كل نهيٍ فيجتنبونه، تحقيقًا في أنفسهم لقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أمرتكم بأمرٍ فأْتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه"، فهو أمرٌ حادثٌ، وكانوا أشد النَّاس نُفرةً من الحوادث؛ لأنَّها بدع، وكلُّ بدعة ضلالة، وكلُّ ضلالة في النَّار.

بل لقد بَلغَ من خوفهم من المخالفة عن الدِّين، وتحرِّيهم امتثال أحكامه، أنَّهم كانوا يَدَعون كثيرًا من الحلال خشية الوقوع في بابٍ واحدٍ من أبوابِ الحرام.

لقد نشأت هذه المقولة الحادثة من خضوع العقل المسلم للثَّقافات الغريبة التي أخذت عليه أقطاره، وسدَّت عليه طرائقه التي وصلت به من قبل إلى الهدى والحق، وخير الهَدي ما استقرَّ عليه الأمر في القرون المفضَّلة الأولى التي عاشت بالإسلام كلِّه عقيدة وشريعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت