الصفحة 200 من 291

فأصبحت وإذا هي ترعى في أرضٍ جرداء، لا عشبَ فيها ولا ماءَ، ولا ظلَّ ولا هواء، تتقطَّع فيها أنفاسها، ولا تَغدو إلاَّ على مسغبةٍ، ولا تُمسي إلاَّ على مثل ما غَدَت، وكلَّما أهاجها الحنين إلى سيرتها الأولى، أفقدها لُغوب الحياة الدُّنيا، ورَتْعُها في زينتها، وشغُلها في أحوالها وشؤونها، عن إعمال النَّظر في تلك السِّيرة، وإذا هي قد أخذت في العَودِ قَهقرى، عقوبَةً على طائفةٍ من الذُّنوب ألمَّت بها، بحرصها على الإمساك بأذناب البدع، والعضِّ بالنَّواجذ على المحدثات.

والله سبحانه الذي أبدع السَّماوات والأرض على غير مثال سابق؛ أنزلَ للنَّاس بوحيه تشريعًا يحقِّقُ للبشريَّة سعادتها الدُّنيويَّة والأُخرويَّة على غير مثال سابق في التَّشريع والحكمة، لكن هذه السَّعادة لا تتحقَّق للنَّاس من خلال هذا التَّشريع الإلهي إلاَّ بأمرين اثنين:

الأوَّل: إنفاذ هذا التَّشريع في إخلاص وطواعية.

الثَّاني: إنفاذه على الوجه الذي أنزله الله سبحانه من غير زيادة ولا نقص.

وقد حفل القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة بالآيات والأحاديث تدلُّ على ذلك؛ من هذه الآيات الكريمة قوله سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [سورة النساء: آية 65] .

ومنها قوله سبحانه: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة الأنعام: آية 115] .

ومنها قوله سبحانه: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور/51] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت