الصفحة 206 من 291

وإذا تضافرت جهود الأمَّة، وبخاصَّة جهُودَ علمائها؛ في الوقوف على حقائق التَّنزيل فهمًا وعملًا، فإنَّها حينئذٍ ستبني لنفسها حِصنًا تمتنعُ به من كل ما قد يُتوهَّم أنَّه سينفذ إليها من شرٍّ وجهلٍ واختلافٍ.

* شبهات وتصحيحُها:

وقد يشتبه على بعض النَّاس معنى بعض الأحاديث المرفوعة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، أو الآثار الموقوفة على بعض الصَّحابة رضوان الله عليهم، ويحسبون أنَّ من البدعة ما هو حسَنٌ، ومنها ما هو سيِّىٌْ، وينثرون بألسنتهم ما فهموا من هذا المعنى بما أوتوا من جهلٍ أو سوءِ نيَّةٍ.

من هذهِ الأحاديث ما ثبت (34) عن جَرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: كُنَّا في صدر النَّهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء قومٌ عراة، مجتابي النمار، متقلِّدي السُّيوف، عامَّتهم -بل كلُّهم- من مُضَر، فَتَمعَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما بهم من الفاقة، فدخلَ ثمَّ خَرَج، فأمَرَ بلالًا، فأذَّن وأقام، ثمَّ صلَّى، ثمَّ خطبَ، فقال:"تصدَّق رجلٌ من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره"، فجاء رجلٌ من الأنصار بصرَّةٍ كادت كفُّه تعجز عنها، بل قد عجِزتْ، ثمَّ تَتابع النَّاس حتى رأيت كومَيْن من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلَّل كأنَّه مذهبةٌ، فقال صلى الله عليه وسلم:"من سنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً؛ فله أجرها وأجرُ من عملَ بها من بَعدِه من غير أن ينقُص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّةً سيئة؛ كان عليها وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".

هذا الحديث، يتَّكىءُ عليه اتِّكاءً شديدًا من يقول بِحُسنِ بعض البدع، لكنَّه أُتي من سوء فهمه للحديث، وقصور علمه، وإلاَّ فما الَّذي يجعله يظنُّ هذا ويعتقده لو أنَّه بَصُرَ به على علمٍ وشيءٍ من التَّأمُّل الدَّقيق؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت