فهرس الكتاب
فعندما أبصرَ الرَّسول صلى الله عليه وسلم بهؤلاء النَّفر من مُضَرٍ، ورأى أماراتِ الفقر ظاهرة عليهم؛ دخلَ بيته وكأنَّه يريد أن يلتمس لهم شيًا من طعام، ولكن هل كان يملك الرَّسول صلى الله عليه وسلم شيئًا من طعام؟ وعاد صِفر اليدين، فأمر بلالًا أن يؤذِّن، فصلَّى بالنَّاس، ثمَّ خطبهم، وحثَّهم على التَّصدُّق لهؤلاء، فقام رجل من الأنصار مُسرعًا، فأتى بصرَّة كبيرة، فوضعها بين يديه صلى الله عليه وسلم، فلمَّا رأى الصَّحابة ما فعلَ هذا الصَّحابي؛ قاموا متتابعين، وكلٌّ منهم يأتي بشيءٍ، حتى اجتمع كومان من طعام وثياب، ففرَّقهما بين أُولئك النَّفر من مُضَرَ، وقال:"من سنَّ في الإسلام..."إلخ.
والدَّليل على أنَّ هذا الحديث لا يُؤيِّد مقالَة القائلين بحُسن بعض البدع من وجوه:
أوَّلًا: أنَّ سبب مقالة النَّبي صلى الله عليه وسلم هو فعلُ الأنصاري، فهو صلى الله عليه وسلم إنَّما أراد بذلك الثَّناء عليه، ثمَّ لتنبيه الآخرين إلى أمر غَفَلوا عنه، ولا ريب أنَّ سبب القول يُنبىءُ عن المعنى المراد، ويعين على فهمه والإحاطة به.
ثانيًا: أنَّه قال:"تصدَّق رجلٌ من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برِّه، من صاع تمره"؛ فتتابع النَّاس بالتَّصدُّق بعدما رأوا الرَّجل الأنصاري يتصدَّق؛ فهل فَعَل هؤلاء الصَّحابة شيئًا مُحْدثًا لم يأمر به الله ورسولُه من قبل؟!
وعلى فرض أنَّهم لم يعرفوا الصَّدقة من قبل، فهل استجابتهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقتهم هذا تُعدُّ أمرًا مُحدثًا؟ سواء أكان هذا أم ذلك؛ فهم لم يَعدُوا أنَّهم فعلوا واستجابوا لأمر مشروع أمرهم به الله ورسوله.