فهرس الكتاب
وممَّا تقدَّم كلِّه يظهر لنا أنَّ من يتَّكىءُ على هذا الحديث في تسويغ البدعة الحسنة قائلٌ قولًا مردودًا عليه، فهو بقوله هذا مُحْدِثٌ في الإسلام حدثًا لا ينجو من إثمه إن ظلَّ عليه، ويصدُق فيه قوله صلى الله عليه وسلم:"من أحدثَ في أمرنا ما ليس منه فهو رَدٌّ" (35) .
أمَّا مقالة عُمر رضي الله عنه التي يتغنَّى بها أُولئك القائلون بحسن البدعة وهي قوله:"نعمت البدعةُ هي" (36) ؛ فلا أحسب إلاَّ أنَّ من يتّكىءُ عليها يتَّكىءُ على عصا ليِّنة، كلَّما اتَّكأَ عليها صاحبُها؛ سقط أرضًا!
ولبيان ذلك أقول:
عندما شرع النَّبي صلى الله عليه وسلم لأُمَّته صلاة القيام جماعةً في رمضان؛ قام يصلِّيها في المسجد، فوقف يُصلِّي خلفه عدد من أصحابه أوَّل ليلة، وزاد العدد في اللَّيلةِ الثَّانية، وغصَّ المسجد في اللَّيلة الثَّالثة، فخشي الرَّسول صلى الله عليه وسلم إن هو خرج إليهم للصَّلاة بهم أن تُكتبَ عليهم، فامتنع، فجعل بعض الصَّحابة يرمون باب حُجرته صلى الله عليه وسلم بالحصى يظنُّون أنَّه قد نسي، فخرج إليهم صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم أنَّه لم يخرج إليهم خشية أن تُكتبَ عليهم، فجعل النَّاس يُصلُّونها فرادى، ومضى الأمر على ذلك طول حياة أبي بكر رضي الله عنه، وجزءًا من خلافة عُمر، إلى أن خرج عُمر على النَّاس يومًا، فرأى بعض الصَّحابة يصلُّون أوزاعًا في المسجد خلف بعض الحَفَظَةِ من الصَّحابة، فقال: لو أنَّا جمعناهمُ على أُبيّ، فلمَّا حَصَلَ ذلك واجتمَعَ الصَّحابة؛ قال عُمر رضيَ الله عنه:"نعمت البدعة هي".
أفيَظُنُّ ظانٌّ أنَّ عُمر رضي الله عنه لم يكن يعلم ما كان عليه أمر هذه الصَّلاة وهو الذي عاش في أكناف النُّبوَّة؛ يستَقي من وِرْدها الصَّافي، ويتزوَّد منه لآخرته؟! لا أحسب ذلك.