الصفحة 211 من 291

إذًا؛ فعمر لم يكن يخشى على النَّاس أن يلتبس أمرُ صلاة القيام جماعة في رمضان عليهم، فيعتقدوهُ واجبًا؛ إن هو جَمَعَ النَّاس على إمامٍ واحدٍ؛ لأنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم شرع الأمرين لأُمَّته في قيام رمضان، أي: شرع لهم أن يصلُّوها جماعة، وشرع لهم أن يصلُّوها فرادى، فلمَّا رأى عُمر تفرُّق النَّاس في المسجد الواحد؛ جمعهم على أُبيّ توحيدًا للجماعات -وقد انتفت الخشية من ظنٍّ فرضيَّتها- فاستجاب إليه الصَّحابة، ورضوا لأنفسهم ما رضي عُمر لهم، وقد علموا قولَه صلى الله عليه وسلم:"عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين المهدييِّن من بعدي، عَضُّوا عليها بالنَّواجذ" (37) .

ولم يكن لأحد من أُولئك الخلفاء أن يخالف عن شيءٍ من سُنَّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبخاصَّة عمر رضوان الله عليه، الذي كان قوله في كثير من المواطن يوافق الوحي، وحينئذٍ يتحتَّم علينا أن نتأوَّل البدعة في كلمة عُمر، فهي قطعًا إمَّا أن تعني البدعة لغة، وإمَّا أن تكون من باب الإنكار على من سمَّاها بدعة، فكأنَّه قال: نعمت البدعة هي لو كانت بدعة، لكنَّها ليست بدعة، فكيف يصحُّ تسميتها بالبدعة؟! وهذا المعنى الثَّاني هو الأقرب عندي من المعنى الأوَّل، والله أعلم، إذ هو المناسب للحال، فإنَّ بعض الصَّحابة رضوان الله عليهم أجمعين ربَّما لم يعلم ما كان، وبعضهم ظنَّ أنَّ انقطاع النَّبي صلى الله عليه وسلم عن صلاتها في جماعة هو تشريع بصلاتها في غير جماعة، فكان منهم الإنكار على جمع النَّاس عليها بتسميتها بالاسم الذي تليق به في ظنِّهم، وهو البدعة، لكن فقه عُمر رضي الله عنه صَوَّب ظنَّهم، وردَّهم إلى الحقِّ الذي جَهِلوه، فعلموا أنَّ الحقَّ مع عُمر رضي الله عنهم أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت