الصفحة 212 من 291

أمَّا مقالة عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وهي:"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ" (38) التي ينسبونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي أيضًا عند أدنى نظر إليها تسقط أمامها حُجَّةُ المتَّكيء عليها، ذلك أنَّ عبدالله بن مسعود كان أكثر الصَّحابة تمسُّكًا بالهدي النَّبوي، وقد صحَّت عنه أقوال كثيرة، يبعد معها أن يكون من الذين يستحسنون بدعة؛ مهما كانت هذه البدعة، لذا فإنَّ على من يتَّخذ من هذه الكلمة بابًا يلجُ منه إلى تحسين البدعة، أن ينظر قبلًا في سيرة عبدالله بن مسعود؛ ليرى كلَّ كلمة قالها في تقبيح البدعة، والتَّشنيع على قائلها أو فاعلها رِتاجًا قويًَّا ثقيلًا، يُحكم إغلاق هذا الباب، فلا يقوى مريد الولوج منه على كسر أيِّ واحدٍ منها، فضلًا عن أن يقدر على كسرها مجتمعة.

إذًا؛ فتأويلُ هذه الكلمة:"ما رآه المسلمون حسنًا"ممَّا يوافق الشَّرع، ولا يندُّ عنه بزيادة أو نقص، ويكون قائمًا على دليلٍ من كتاب الله أو سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو حسن، أو قُل: بأنَّ دليل هذه الكلمة من أُصول الإجماع، والإجماع لا يكون إلاَّ باستناد إلى دليل من الكتاب أو السُّنَّة، فبطل بذلك قول من يهجم على السُّنَة للابتداع بهذه الكلمة الرَّائعة العظيمة التي تأوّلها من تأوَّلها على غير وجه حق.

* البدع كلُّها ضلالات:

بقي أن نعلم أنَّ البِدَعَ كلَّها ضلالات، والضَّلالات مع أصحابها في النَّار، وشرُّ البدع ما يُرَوِّجُ لها المبتدعون أو الجاهلون بشتَّى أنواع التَّرويج، ويتأوَّلون لها الأحاديث النَّبويَّة والآيات القرآنيَّة تأويلًا ينأى بهم كلَّ النَّأي عن الحقِّ والذَّوق معًا، ولا يخلو من زمانٍ أُولئك، رغم ما يهيِّىءُ الله سبحانه من رجال يعرفون الحق، والحق يعرفهم، وينأون بما يعرفون عن الباطل، فينأى الباطل عنهم، والذي يستقرىءُ تاريخ الإسلام الطَّويل؛ يعرف هذا جيِّدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت