فهرس الكتاب
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تقسيم البدع بحسب الأحكام الشَّرعيَّة، فجعلوا منها ما هو حرام، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو مكروه كراهة تنزيه، ويبدو أنَّهم قسَّموها هذا التَّقسيم؛ لتفاوت البدع نفسها، فإنَّ الإثم في البدعة تكون في العقيدة أعظم من إثم بدعةٍ تكون في الأحكام؛ غير أنَّ هذا التَّقسيم عندي لا يحسُن؛ لأمرين:
الأوَّل: أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم:"كلُّ محدثةٍ بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالة"؛ لم يفرِّق في الحكم بين بدعة وبين بدعة أُخرى، فالنَّكرة إذا أُضيفتْ، أفادت العُموم، والعُموم لا يخص إلاَّ بالاستثناء، وأين الاستثناء هنا؟!
الثَّاني: أنَّ الإثم قَدْرٌ مشترك بين البدع كلها، وليس يحسن بنا أن نحكم على بدعة بأنَّها أقلُّ من غيرها، ولم يبيِّن لنا ذلك الرَّسول صلى الله عليه وسلم، فيكون التَّفريقُ في الحكم أو الوصف بين بدعة وبين أُخرى تفريقًا قائمًا على الرَّأي المحض، وفي هذا تخرُّص لا يحسن بمسلم أن يفعله، وهو بدعة في ذاته.
إذًا؛ فكلُّ بدعةٍ -أيُّ بدعة- ضلالة، تورد صاحبها ومبتدعها، أو الدَّاعي إليها، أو من يرضَى بها، أو من يعلمها ثمَّ لا يحذِّر منها؛ في النَّار، ثمَّ لا يجد عنها حِوَلًا إلاَّ أن يتداركه الله برحمته.
فهل عسى أُولئك أن يقلعوا عن بدعهم، وأن يتوبوا عمَّا أوقعوا أنفسهم فيه من حوبٍ وإفكٍ، وأن يتوبوا إلى ربِّهم برميهم السَّلفيِّين بغير ما اقترفوا؟!