فهرس الكتاب
فأقول أوَّلًا: مضت القرون الفاضلة الأولى، والقرآن والحديث هما مصدر التَّوحيد بأنواعه الثَّلاثة، كما كانا مصدر التَّشريع في العبادات وغيرها؛ توحيد الألوهيَّة، وتوحيد الرُّبوبيَّة، وتوحيد الصِّفات، ولم يُعرف أنَّ أحدًا من الصَّحابة رضوان الله عليهم كان يسأل الرَّسول صلى الله عليه وسلم عن مسألة من مسائل التَّوحيد أبدًا؛ لوضوحهِ، وظهور أمرهِ.
فكانوا يقرؤون قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لله قَانِتِينَ} [سورة البقرة: آية 238] ، ويقرؤُون قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [سورة هود: آية 107] ، ويقرؤون قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [سورة فصلت: آية 46] ، ويقرؤون قوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَالله خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [سورة الأنفال: آية 30] ، ويقرؤون قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [سورة المائدة: آية 64] ، ويقرؤون قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [سورة القصص: آية 88] ، وغير ذلك من الآيات، فلم يُحفظ عنهم أنَّهم سألوا الرَّسول سؤالًا واحدًا عن وجه الله ولا عن يديه، ولا عن مَكْرِه، ولا عن إرادته وفعله أبدًا، فكلُّ هذه الأشياء كانت معلومة عندهم لا تحتاج إلى تأويل من الرَّسول صلى الله عليه وسلم لهم.
بل كانت أسئلتهم كلُّها تدور حول مسائل الأحكام المتعلِّقة بالعبادات، والمعاملات، والأخلاق، وهي ما تسمَّى بالفروع، وهذا واضحٌ جدًَّا من آيات القرآن وسُورِه التي خلَّد فيها القرآن السُّؤالات التي كان الصَّحابة يسألونها الرَّسول حتى إنَّه نهاهم عنها بقوله: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [سورة المائدة: آية 101] .