فهرس الكتاب
ولا شكّ أن السُّكوت على المعاصي والمنكرات، والعجز عن مدافعتها، يخلق إلفًا بينها وبين النّاس، يحمل في النهاية على الرِّضا القلبي، عن المعاصي والمنكرات.
ويُحدث فيهم خطةً لا يُمازُ بها طيِّب من خبيث، ولا خيرٌ من شر، ولا معروف من منكر، ولا حسنٌ من قبيح، فيصير الشيءُ وضِدّه متماثلين! بل ربما أصبح الشر فيهم خيرًا، والمنكر معروفًا، والقبيح حسنًا والخبيث طيبًا، وحينئذٍ: أين تكون الأمَّة قد أقامت نفسها، ولتنظر من غدٍ القريب هلاكها، كما أصابت الأمم في أمسها، وليس شيءٌ بنافعها إلا إذا ابتدرت الأمر قبل حلوله، والشر قبل وقوعه، وذا لا يكون إلا باعتضادٍ بين السُّلطان وبين طائفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الخامسة: وإذا كان نفاذ قانون المدافعة في الخَلْق مرهونًا بقيام المؤمنين بحقِّه، فإنَّ حقًا على الله أن يُهيِّىء لهم الأسباب التي يقوَوْنَ بها على القيام بهذا الحق، وحقّه على المؤمنين أن يحسنوا حراسته فلا يغفلوا عنه، وأن يكونوا أُمناء عليه فلا ينتقصوه، فإن هم ضَعُفوا عن أداء هذا الحق، فقد تعطَّل نفاذه، وتفرَّد أهل الباطل بسلطانهم، فعاثوا في الأرض فسادًا، ونشروا أعلام ظلمهم، وعلَوا ببطشهم وجبروتهم.
وهذا ما نشهده واقعًا فينا اليوم، لا نكاد نرى ملاذًا نلوذ به، ولا ملجأً نلجأُ إليه، ولا شِعبًا نصعد فيه، وضاقت علينا الأرضُ بما رَحُبت، وسُدَّت في وجوهنا السُّبل، وأظلمت في أعيننا الآفاق، وأفلتت من أيدينا الآمال مبعثرةً، وتطاير من فوق رؤوسنا الرّجاء جُذاذًا، وأحط بنا اليأس من كلِّ جانب، وتتابعت فوق أرضنا البلايا الثِّقال الطّامات، والمصائب الجامات الجاثَّات.