الصفحة 235 من 291

ولا يمكن -لتمام الأمر على وجهه، واستوائه على سوقه- إلا بها معًا، فإذا كان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، يقتضي وجود طائفةٍ من الأُمَّةِ تقوم به، فإنَّ إقامة الحدود والعقوبات أولى في ذلك وأولى، وبخاصّة وأن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، يستطيعه كل واحدٍ في الأُمَّة، توفّرت فيه عدّته، أما الحدود، فإن إقامتها لا تكون إلا من ذوي شوكةٍ وسلطان، والله يزعُ بالسلطان ما لا يزعُ بغيره كما ورَدَ في الأثر عن عثمان رضي الله عنه، وليس هذا كائنًا للطائفة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، بل إنَّ هذه الطائفة التي أوجب الله أن تكون، هي في حاجة دائمةٍ إلى قوة السلطان، الذي يؤيدها، ويُظاهرها، ويحميها، ويملأ أعين الناس من حُرمتها، فهي لا غنى لها عن قوة السلطان، والسلطان لا غنى له عنها، فكلاهما يعمل لحفظ أمر الإسلام في الأرض، ورعاية أحكامه وعقيدته في أنفس الخلق، هذا بالدّعوة وحمل أمانتها ومسؤوليتها، وذاك بإقامة الحدود، ورعاية أمانتها وأداء مسؤولياتها.

ويمكن القول: إنَّ طائفة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، هي اللسان المبين عن مراد السُّلطان في رعيَّته، وإن السُّلطان، هو السّوط الذي يحمي هذا اللسان المبين عن مراده أن يُقطع، فهما بذلك شيءٌ واحدٌ وإن استقلّ كلٌّ منهما بأمرٍ دون آخر، وحديثٌ واحدٌ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصوِّرُ هذين الشيئين معًا أدقَ تصوير وأتمَّه، وأحسنه، والآثار الناشئة عن تعطيلها، وذلك قوله:"والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثمّ لتدعُنّه فلا يستجيب لكم" (50) .

فإنَّ الوعيد الشديد بالعقاب الذي يعمُّ الأمّة بترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، لا يُرفع عنها إلا بدفع أسبابه، وظاهرٌ جدًا أن أسبابه، انتشار المعاصي، وشيوعُ المنكرات، والسُّكوت عليها، والعجزُ عن مدافعتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت