فهرس الكتاب
ونجد القائلين هذه المقولةَ النَّاسبيها إلى أعراب الرُّواة، إن كانوا لا يصدِّقون ولا يَعتقدون مثل هاتين العقيدتين، فإنَّهم لا يجدون في أنفسهم حرجًا من مخالطتهم، والرِّضا عنهم، والسُّكوت على كُفرهم، فكيف وهم غارقون فيهما، ويرون في مُحاجَّتهم، ومُناظرتهم - لِتَبيينِ الحق لهم - تفريقًا للأمَّة، وإثارةً لأمورٍ عَفى عليها الزَّمن، ومَضَت على النَّاس وفيهم، فكان منهم حيالها ومنهم، ولا يَفيد المُسلمون من إثارتها، إلاَّ تذكُّرَها!!
إنَّ الذي يُنَزِّه الله، بنفي المعنى المُراد من لُغَةٍ مُكوَّنةٍ مِن ألفاظٍ، وكلماتٍ أبدَعَها الله سبحانه، وعلَّم خَلقهُ كيف ينطقون بها ليعبدوه بها، ويتقرَّبوا إليه بدلالاتها، ويَهتدوا إلى كمالاته المُطلقة بمعانيها، لكأنَّما يستنطق ربَّه - وحاشاه سبحانه - أن يَدَع هذه الألفاظَ والكلماتِ - التي أنزلَ بها كتابهُ العربيَّ المُبين على أَعرب العرب لسانًا، وأفصَحهم بيانًا - لخلقه، ويتنزَّل عَن معانيها ودلالاتها التي علَّمهم إيَّاها، ليجعلوا لها معانيَ ودلالاتٍ أخرى، غيرَ التي علَّمهم إيَّاها، ثمَّ ليُوافقَهم على ما أرادوا من تنزيهه بتلك الألفاظ والكلمات، بمعانيها ودلالاتها التي وضعوها لها، ألا ساءَ ما يقولون!
ثمَّ إنِّي والله لفي عجبٍ لا ينقطع مِمَّا يقول هؤلاء، إذ كيف استطاعوا أن يَصِلوا بعلمهم إلى أنَّ بعضًا من أحبارِ اليهود، ورُهبان النَّصارى، وموابذَة المجوس، أدخلوا بين أعراب الرُّواة (هكذا!!) من المُسلمين، أساطيرَ وأخبارًا في جانب الله، فيها تجسيمٌ وتشبيهٌ، ولم يَصِلوا بعلمهم، إلى أنَّ أولئك أنفسهم، هم الذين أدخلوا على مُستعجمة الرُّواة، أساطيرَ وأخبارًا في جانب الله، جَرَّدوا فيها الخالق سبحانه من صفات الكمال التي وصفَ بها نفسه، وأحَلُّوه بها خلقه، وأطافوه بها على كلِّ مستقذرٍ وقبيحٍ، وجعلوه بذاتِه خلقَه؟! أليس هذا مِمَّا يُعجَبُ له ومنه؟!