فهرس الكتاب
ولِمَ نُبعد النُّجعة في طلب الحقِّ للرَّدِّ والتَّبرئة، من مثل هذا القول المُفترى على أعراب الرُّواة من المسلمين؟ الأعراب الذين حفظوا على الأمة تراثها، وزيَّنوا الأرض على رحبها بما أوعبت صدورهم من طِلاع نوره!!
إنَّ ربَّنا سبحانه، يصف نفسه في آيات من كتابه بصفات، لا بُدَّ وأنَّ الطَّاعن على هؤلاء الأعراب، يرى بأنَّ ظاهر هذه الآيات يستلزم التَّشبيه والتَّجسيم، فهل يكون ربنا سبحانه، مُتَّهمًا عند القائلين هذا القول، بأنَّه يجسِّم نفسه ويشبِّهُها بخلقه، فَيُسَوُّونَ بذلك -وحاشا ربَّنا- بين الله وبين الموابذَة، والرُّهبان، والأحبار؟!
لكنَّنا إن تذكَّرنا أنَّ الله سبحانه -عند طوائفَ منهم- هو الكونُ، وأنَّ الكونَ هو الله، وأنَّه حالٌّ في خلقه بذاته، فإنَّ العجب سُرعان ما يذهب ويُدبِرُ!! فلا عجب من أن يكون الله -وحاشاه سبحانه- راهبًا، أو حبرًا، أو موابذًا!! وكُتُب قدماءِ شيوخهم مليئةٌ بهذه الطَّامَّات!!
ثمَّ لك بعد ذلك وقبله، أن تتأمَّل قول قائلهم:"أعراب الرُّواة"؛ لتعلم كم تحمل من الذَّمِّ والتَّحقير،"وكفى بالمرءِ إثمًا أن يَحْقِرَ أخاه" (20) ، بيد أنِّي أحسب أنَّه على ما يَبدو -يخال- أنَّ الطَّاعن عليه ليس أخاه، إنَّه من الأعراب، وليسَ من الأعاجم!! والأعراب فيهم، الجهل، والجفاء، والجبروت، (جيمات ثلاثة) ، أمَّا أهل الحاضرة، ففيهم أضدادُها، وهي محاسن حُرِمَ منها الأعراب!!
حسيبك الله يا هذا الباعثَ شعوبيَّةً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُختها الجاهليَّة:"دعوها فإنها مُنتنة" (21) ، ولا أحسبهُ -يُصلحُ معهُ الصَّبرُ والمُصابرَة، ولا يطهِّرهُ من مَكْره ماءُ المُزنِ بالمُكاثرة، ولو غُمِسَ بهواه في ماءِ (الكوثر) (هكذا) ! لظلَّت نسبَتهُ إليه -أي إلى الكوثر- عارِمةً بالمواترَةِ، فلماذا الرضا والسكوت عن موابذة الحاضرة ورهبانها وأحبارها، ممن يدَّعون أنهم على دين الحق، وهم على ما رأيت؟