الصفحة 44 من 291

وكان حقيقًا بذلك القائلِ هذا القولَ: أن يشكر لله سبحانه فضلَه عليه، أن جعل هذا الدِّين -في ذاته- سهلًا ميسَّرًا، واضحًا، وأنَّه على يُسره، وسهولته، ووضوحِه في ذاته، حماه الله بأعزِّ لغة، وأمنعِها على الأيَّام، وأرفَعِها قَدرًا في لغات الأنام، حتى أنعم الله بها عليه، فعرف هذه اللُّغَة، وبرعَ في قواعدها وأُصولها، فيسَّر الله له الفقه في هذا الدِّين، والعلم بأحكامه، في كنف المذهبيَّة المُرجِفَةِ، فليكن دائمًا على محمدة من ربِّ السَّماءِ، ولينظر ما قدَّم لغدٍ، وليتَّقِ الله ربَّه، هذا إن كان لا زال حيًَّا، أمَا والعلمُ أنَّه مات، فلا أدري ماذا كان له من شأنٍ مع علمه الذي ضاجعه في قبره؟! ثمَّ لا أدري ما ينتَظر من نصرَهُ على باطلٍ من بعده؟

إنَّه لو صُبَّ عليهم وعليه ماءُ (الكوثر!!) ما أنقى قلوبَهُم من حِقدها وحَسدِها، ولا جلودَهُم من ذُنوبِها وآثامِها!!

والمُحقِّق الصَّادق الذي يورد قلمَه موارد النَّقل الأمين، ويسوقه عقلُه إلى مواطن الحكمة، ويُنشده ظنُّه الحسنُ نواشدَ التَّقوى، يأبى عليه علمه أن يواطئَ الدَّهماءَ في حالهم، وأن يزاحمهم على شِربهم، لِيّدهقَ كأسه من أعراض المُسلمين -وبخاصَّة صفوةَ علمائهم- قبل أن يدهقوا كؤوسَهُم وهو ربَّما يعلم في نفسه -إذ يصنع ذلك- أنَّه يواقع أمرًا نُكرًا، لا يجمُل بعاقلٍ -فضلًا عن عالمٍ- أن يواقِعه ابتغاءَ مرضاة العامَّة، أو مُداهنةً لهم، أو مُحاكاةً لهم.

وهو بصنيعه هذا يُجرِّئُ مُتهوِّكي الأحلام، مُفَلَّعي الأقلام، المُبحرين في لجَّة الظلام، على أن يكونوا مثله، لا في علمه - فهو وإن كان عنده علم فقد صار بائرًا حاسرًا - بل في غَوْل قلبه، وحميم صدره، وترييخ أضْلُعِه من عجز، ثمَّ يمضي من أمامهم، إمامًا ضالاًّ مُضلاًّ، في استكبار وغرور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت