الصفحة 45 من 291

ولسنا نُنْكر أنَّ الذين درسوا الفَلسفَة وتعلَّموها، وحَذَقوا المَنطق وأتقنوه، وأحاطوا بعلم الكلام وأحسنوه، ليسوا جميعُهم على قدْر واحدٍ في هذه العلوم العقليَّة، فهم متفاوتون، كما أنَّهم ليسوا جميعُهم على غاية واحدة، ومَقصِد واحد,

فابنُ تَيميَّة رحمه الله، يُعدُّ رأسًا من رؤوس هذه العلوم في تاريخ الإسلام، وكما يقال اليوم:"حطَّم الرَّقم القياسي"، سبق فيها من قبله وأعجز من بعده، وأناخَ راحلته -وهو في أرض قومه- أمام أبواب أثينا وإسبرطة، فاستحيا القوم فيهما منه، وغدوا في مضيعةٍ أمامه، جمدت لهواتُهم في حلوقهم، وأبلست ألسنتهم في أفواههم، وشرَد عنهم ذكاؤهم بعيدًا جدًَّا، وبقي شيخ الإسلام فردًا في هذه العلوم، لكأنَّما خُلقَت لهُ وحده، فكان ربَّها بلا مُنازع، لا شريك له فيها حتى مِن أربابها وسَدَنتِها!!

غير أنَّ ابن تَيميَّة رحمه الله تعالى، كان يصدر في كلِّ ما يكتب من هذه العلوم، عَن مَعرفةٍ بالكتابِ والسُّنَّةِ كبيرةٍ، وإرادةٍ مُؤمنةٍ بصيرةٍ، ونيَّةٍ خالصةٍ وفيرةٍ، يُؤمَنُ معها الشرُّ المُستطير، الذي تداعَت إليه عقولٌ في غير أناةٍ ولا استبصار، فقد عُمِّيت عليها السُّبل، وما دَرَت أنَّها - وهي يقفو بعضها بعضًا إلى هذه العلوم - إنَّما تبحثُ لدى هذا الشر المُستطير عَن مكانٍ تُعفِّي فيه على قدرات إيمانها الفِطريِّ، الذي مَنَّ الله به عليها.

أمَّا ابن تَيميَّة رحمه الله، فقد أصابَ من علمهِ الجَمِّ، وإرادته المؤمنة، ونيَّته الخالِصَةِ، سلاحًا، وفَّره للدِِّفاع عن ملَّة التَّوحيد، فجاهد به جهاد البُسلاء الأولياء، حتى لقيَ ربَّه في أغلال سجنه، وكأنَّما يُكْرَبُ بسكرات الموت، وهو يدعو بدعاء نبيِّه صلى الله عليه وسلم:"اللَّهم اغفِر لي، وارحمني وألحقني بالرَّفيق الأعلى" (22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت