فهرس الكتاب
كنت أودُّ أن نَسمع أنَّ الأستاذ شيخٌ لطريقةٍ واحدةٍ، لا شيخ لطرق كثيرة، وما أكثرها في مصر -وهي والحمد لله (على كل حال) تزدادُ يومًا بعد يوم- إذ كيف يكون مقبولًا شرعًا تعدد الطُرق، والله سبحانه لم يجعل لعباده المؤمنين إلاَّ طريقًا واحدة، وهي طريق الكتاب والسُّنَّة، التي ترك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه عليها، وأمرهم بالبقاء عليها، ونهاهم عَن المخالفة عنها، وهي التي ذكرها الله ووصفها في كتابه، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [سورة الأنعام: آية 53] ، ولا إخالُ إلاَّ أن الأستاذ على ذُكرٍ من هذه الآية من كتاب الله، فكيف يرضى أن يكون شيخًا لطرق كثيرة وطريق الله واحدة؟!
وكان حريًَّا بالأستاذ الشيخ -وهو الآن في بلادٍ عامَّةُ أهلِها مالكيُّون- أن ينسى مشيخته هذه، فشيخهم واحد وهو الإمام مالك رضي الله عنه، ومن الإحسان إلى من يدعوك ويكرمك، أن تحسن إليه، بما هو أهلٌ له، وبِما يُحبُّ.
وهنا أُذكّر المغاربة بأمرٍ لا يحسن أن يكون غائبًا عنهم، وهو: أنَّهم قد أجمعوا على إمامة الإمام مالك لهم في الفقه، والفقهُ يؤسِّس الإدراكات العلميَّة، التي يقف بها الإنسان على رغائب الهُدى، فتنفي عنه الرَّذائل النَّفسيَّة، والانحرافات الفكريَّة، والزُّيوغات العقليَّة، ولست بظانٍّ أنَّ أهل التَّصوُّف يودُّون لأنفسهم أكثر من ذلك، إن هم استطاعوا إدراكها أو بعضًا منها.
إذًا؛ فلماذا يَعْدلُ المغاربة المالكيُّون عَن إمامهم الذي ينتسبون إليه في الفقه، إلى إمام آخر غيره في الطَّريقة والسُّلوك، وهل للفقه ثمرة إلاَّ سلوك الطَّريقة التي سلكها مِنْ قبلهِم إمامُهم مهتديًا فيها بالفقه، الذي أفاده وتعلَّمه، ثمَّ علَّمه تلامذتَهُ فنشروه في أرجاء الأرض؟!