فهرس الكتاب
"إنَّ الله لا يَنظُر إلى صوركُم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبِكم وأعمالِكُم" (24) ، ذلك أنَّ القلب في الحقيقة، جارحةٌ باطنةٌ، تعمل كسائر الجوارح الظَّاهرة، بيد أنَّ أعمال الجوارحِ الظاهرةِ ظاهرةٌ مثلُها، وأعمال القلب - الجارحةِ الباطنة- خَفيَّة، لا تُدْرك إلاَّ بآثارها النَّاجمة عنها، وصلاحُ الجارحة الخفيَّة، يؤثِّر ولا شك في صلاح الجوارح الظَّاهرة،"ألا وإنَّ في الجسد مُضغة إذا صَلُحت صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَت فَسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب" (25) .
ويُروى عَن عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه قوله:"أصلحوا بواطنكُم، تَصلُحْ ظواهركم".
ثمَّ أليسَ لنا -أمَّةَ محمَّد- فيه أُسوةٌ حسنةٌ؟ أليس هو الذي قال الله فيه: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا} [سورة الأحزاب: آية 21] .
إنَّه بمنطق أُولئك المفرِّقين بين الفقه وبين السُّلوك، كان ينبغي أن يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولٌ آخرُ، مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم لإصلاح الجوارح والعقل بالعلم، والآخرُ لإصلاح الرُّوح والقلب بالسُّلوك.
ورُبَّما انتهى بأولئك القولُ أيضًا إلى مقولةٍ فاسدةٍ، كافرةٍ، يقولون فيها: إنَّ لكلِّ ضِدَّين إلهَين، يجمعهما جميعًا إله الخير وإله الشَّر، ولعلَّه لا يخفى عيلنا، أنَّ هذه المقولة قد قيل ما هو أفسد وشرٌّ منها -وإن كان القَدْرُ الجامع بينهما الكفرَ عياذًا بالله تعالى- سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علوَّاُ كبيرًا - بهاتين العقيدتين.