الصفحة 56 من 291

إنَّ التَّفرُّق في الطُّرق، والصَّفق فيها، بعقائد ما عرفها المُسلون إلاَّ من بعد ما صارَت في أيديهم مقاليد البلاد بالفتح، فنالوا وأنالوا، بيد أنَّهم أتى عليهم وقتٌ ألانوا فيه مناكبَهم، فركبتهم أمشاجُ ثقافاتٍ مدهوقةٍ بشرورِ العقول التي أودعتها كتبًا ورسائل، ما كانت يومًا لتكون، إلاَّ عِدْلًا للوحي المنزَّل على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

ولو أنَّ المُسلمين بعدما جاءتهم هذه الثَّقافات، صنعوا ما صنع بها شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله، فردُّوها إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، لسخَّروها في نقض نفسها بنفسها كما صنع رحمه الله، لكنَّ الكثيرين منهم بُهرِوا بها، وحسبوها تأتي بخير لهم إذ علموها، فكانت بهذا بلاءً مستطيرًا، وإثمًا خَطيرًا، أرضخَتهُم للعقول التي اخترَعَتْها، ودوَّنتها، فأذاقتْهم من وبالها المُرِّ، ووبْلها الهرِّ، ما كان المُسلمون أغنى الناس عنه، بدينهم السَّهل الميسًّر، وعقيدتهم الصَّافية الصَّريحة، التي حفظها القُرآن في آياته المسطَّرة.

فمسكينٌ هذا الشيخُ الذي أُسندت إليه رئاسة الطُّرق، ومَشيَخَتُها، ببنطاله الواصِف، ورباط عنقه الخانق، ووجهه الأملس النَّاعم، وشاربيه المحلوقين، وطاقيَّته الغربيَّة، وشارته التلفيقيَّة، لعلَّه يرحمه الله لا زال يجهل تأويلَ قول الله سبحانه: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [سورة الأحزاب: آية 21] ، فهو يحتالُ على ظاهره هذا، بما يظنُّه صلاح باطنه!!

وإذا كان هذا هو حالَ شيخ شيوخ الطُّرق، فكيف بأولئك الشيوخ الذين ارتَضوه شيخًا لهم، ونَصَّبوه إمامًا عليهم؟! بل كيفَ بأولئكَ الرِّعاعَ التَّابعين؟! لا أحسبهم -جميعًا- إلاَّ كما قال ذلك القائل:"كما تكونوا يولَّى عليكم" (26) .

وبعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت