فهرس الكتاب
نعم؛ إنَّ السَّلفيِّين، لا ينكرون أنَّ قِيادَ عقل الأمَّة، هو مسؤوليتهم الكبرى (29) ، وأنَّ عليهم تنشِئتُها على منهج الوحي الأوَّل، الذي تأسَّست عليه القرون الثَّلاثة الأولى، فكانت أرفعَ القرون قدرًا، وأوفرَها ضياءً، وأبصرها عاقبةً، وأنضرَها من بعدُ تاريخًا، وأوفرَها مجدًا، وأوعبَها هُدىً وعلمًا، وأنَّ هذه المسؤوليَّة لن تبلُغها أيديهم وعقولُهم إلاَّ بأمورٍ؛ هي: إخلاصٌ في النيَّة، وسواءٌ في القصد في العمل، ورجاءٌ فيما عند الله من ثوابٍ، وحرصٌ على تبصير الأمَّة في القصد في العمل، وحرصٌ على تبصير الأُمَّة بعقيدتها وشريعتها، وبواقعها المنظور المشهود المُنبئِ عَن حقيقة حالها، تبصيرًا، يقصُر بها عَن الإيغال في بُنيّات الخيال، ويصُدُّها عن التَّرهُّب الفكري، الذي ما فَتىءَ يقود المئات والأُلوف بل الملايين، إلى شفا الجروف الهاوية، ويُرَدِّيها في قعرها، ويُنجيها من غِراءِ الأمل الخادع، الذي شفَّها بالهموم، وجرَّ عليها كآبة الأحزان الحرَّى، وجرَّعها علاقمَ السَّموم واليَحموم.
وهذا -وأيم الحق- هو الفقه البصير، الذي يهدي صاحبه إلى مرضاة الله سبحانه، ويزيل عن قلبه ران الهوى، ويدنيه من الفهم الصَّواب لنصوص الوحي.
وقد ذكرنا مرارًا، أنَّ السَّلفيَّة منهجٌ، زمانه الزَّمان كلُّه، ومكانُه المكانُ كلُّه، وليس لأحدٍ من الأمَّة فضلٌ في حفظ نصوصه، التي قدَّمت لها أرفع منزلةٍ عرفتها الدُّنيا، وأبقت عليها في سطورٍ خوالد، محفورةٍ على جبين التَّاريخ، يقرؤها البصير المُبصر من بعد قرونٍ طِوالٍ، ويتلمَّسُها الضَّرير البَصير، بدبيب أنامله من فوقها؛ وأنَّ هذا المنهج، يقيم العقل الإنسانيّ المؤمن على الجادَّة الواضحة، ما دام قد استقى منه أسلوب العمل، وطريقة التَّفكير.