الصفحة 75 من 291

وَمَا عَرَفَ الدُّنيا أحسنَ طاعةً، ولا ألزم أثرًا، ولا أشدَّ حبًا وَتحرِّيًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته رضوان الله عليهم؛ فقد كانوا عنوانًا مضيئًا للإسلام كلِّه، بعقيدته وَشريعته، وسيرة حامِلِه وَمبلِّغهِ، وما وَجَدت القرونُ المُتَعاقِبَة -ولن تَجد- مثلهم في هذا أبدًا ولا في مثلهن وَاستظهاره واتِّخاذهم آلةً في معرفة أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم كلِّه معرفةً تُلزم العارفَ الحقَّ الذي جاءَهم به صلى الله عليه وسلم من عندِ رَبِّه، حتَّى لكأنَّهم بهذه المعرفة -على بُعدِ الزَّمان وَشُسوع المكان- يُصلُّون معه، ويحجُّون معه، ويُجاهدونَ معه، ويصومون معه، ويعيشون معه، فلا يغب عنهم من أمره شيءٌ ألبتَّة (37) .

وإذا كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذت بمجامع قلوب القرون كلِّها؛ فإنَّ سيرة أصحابِه رضي الله عنهم تُعدُّ جزءًا من سيرته صلى الله عليه وسلم، فلها حظٌّ وافرٌ منها، وبذلك حازت شرفين اثنين؛ أدناهما منزلة ازدهت به دُنيا الإسلام وحياةُ المسلمين، فيكف وقد سارا معًا على درب التَّاريخ يتحدَّثان عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم المُعلِّم، المُربِّي، الأُسوة، الآية الَّتي ملأت الأرض والسَّماء علمًا، وهدىً، ونورًا، وعن الصَّحابة والحواريِّين الَّذين ما وطئت أقدامُهم مناكبَ الأرض إلا مُجاهدين، دُعاة، علماء، لا يَبتغنوَ تحوُّلًا في أمرهم كلّه عن نبيِّهم المعلِّم المُربِّي الأسوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت