فهرس الكتاب
ولسَوف تَجِد جَوابَ هذا المَسؤول اليَومَ هوَ نفسهُ جَوابَ مَن لَو كَانَ قد سُئِلَ عَن الأمرِ نفسِهِ قبَل قَرنٍ أو أكثر؛ مَوصولًا بالقُرُونَ العَتِيقَةِ الأولى التي شادَ ذِكرها الحَسَن الصَّحابةُ والتَّابعونَ وتابِعُوهم، حَتَّى لكأنَّ هذا الجَوَاب قد صِيغَ من ألفاظٍ وحُرُوفٍ واحدةٍ، وحَتَّى لكأنَّما المُجيبُ على تباعُدِ الحِقَبِ وَاحدُ، وحَتَّى لكأنَّما النَّظرُ المُستقرىءُ الجَوابَ على اختِلافِ البِقَاعِ واحِدُ.
ما الَّذي جَعلَ ذَلكَ كلَّهُ كذلكَ؟
هوَ لا شَكَّ وِحدةُ المَنهج؛ الَّذي لا يَعدو الأصلَين المُنزَّلَيْن على رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم: هُما الكِتابُ والسُّنَّة، ومَا دامَ أنَّهما لَن يَفْترِقا حَتَّى يَرِدَا على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحَوضَ، ولَن يَختلِفا ولَن يَتَنافَرا، ولن يُفهَمَ أحَدهما إلاَّ بمُظاهَرَةِ الآخر لَهُ، فكيفَ يُرادُ مِن قَوم ألفوا أنفُسَهُم -بِصَادِقِ رَغبَتِهِم، وحُسنِ تَوجُّههم، بتوفيقٍ من ربِّهم سُبحانه- مُقيمنَ على المَنهج، قافِينَ أثَرَ القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأولى، لا يُريدُونَ جَزاءً ولا شُكورًا، أن يَتَحَوَّلُوا عَنهُ إلى غَيرهِ، وأن يَكونَ لَهُم مُتَابعةٌ لِغَير أهْلِ تِلكَ القُرُون؟!
وكَيفَ يَكون لَهُم أن يَتَحَوَّلُوا عن هذا المنهج إلى غَيره، وأن يَكُون لَهُم مُتابعةٌ لِغَيرِ أهلِ تِلكَ القُرونِ الغَرَّاء، وقد أُشربَت قُلُوبهم حُبًَّا لها، ومُلِئَت صُدُورُهُم إعظامًا لهَا، ووُقرت عُقولُهم وأبصارُهُم، وأسماعُهُم بِميرَاثِها المُشرِق الأخَّاذ؟!
إنَّ التَّحول عن هذا المنهج مَرهونٌ بالموت، أمَّا ما دامت الحياة تجري في العروق فلا تحوُّلٌ، لأنَّ التحوُّلَ عنه معناه: إيثَار غير الوحي على الوحي، وتقديم غير الرَّسول صلى الله عليه وسلم عليه.