الصفحة 73 من 291

وهذا المفهوم صَاغَهُ الإمامُ الجَهبَذُ نَاصرُ السُّنَّة قامِعُ البدعَة أحمد بن حَنبل رحمه الله بقوله:"الاتِّباع أن يَتَّبع الرَّجُلُ ما جاءَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ، ثُمَّ هو مِن بعدِ التَّابعينَ مُخيَّر". وفي قوله الآخر المُماثِله:"لا تُقلِّدني، ولا تُقلِّد مالكًا، ولا الشَّافعي، ولا الأوزَاعي، ولا الثَّوريِّ، وخُذْ من حيثُ أخذُوا". وفي رواية:"لا تُقَلِّد دينك أحدًا من هَولاءِ؛ ما جاءَ عن النَّبيِّ وأصحابه فَخُذ به، ثُمَّ التَّابعينَ بَعدُ الرَّجُلُ فيهِ مُخَيَّر".

وقد مَضَت القُرون مَوقُورةً بِسيرَتهم -عُلماء، وطُلاَّبَ عِلم، ودُعاةً، ومُجاهِدينَ، وآمرين بمعروفٍن وناهينَ عَن منكرٍ- مَسطورةٌ في صَحَائفها أقوالُهُم، مُدَوَّنةٌ على حَواشيها كلِماتُهُم وآراؤهم، والنَّاظِرُ فيها لا يَجدُ غَيرَ ما قُلتُ، لَيسَت دَعاوَى مُحَمَّلةً بالظُّنونِ، ولا سَجَحَاتِ فِكر مَنظُومةً بالتَّكلُّفِ، ولا تَمْتَمَاتِ شِفَاةٍ مَعقُولةً بالرِّيَبِ، فانظُر إلى آثارها فيهم تَجِدَ نفسَك -إن كنتَ مُنصِفًا- أنَّك على رَجاءٍ أو أمَلٍ يومًا في نَفسِكَ أن تَلتَقيهُم على الطَّريق الَّذي سلكتْهُ قَافِلَتُهُم مذ كانُوا، حَتَّى تَغيبَ شمسُ الدُّنيا، وتُدبر الحَيَاةُ عَن الكَونِ.

ولَكِن أينَ المُقسِطُونَ المُسدَّدُونَ؟!!

ولَكَ أيُّها الظَّانُّ! في أيِ واحدٍ يَنهجُ مَنَهجَ السَّلفِ الصَّالح أن تَسألُهُ: ماذا يصنَع حينَ يجد نفسهُ أمامَ أمرٍ يَقتَضيه أن يَعرف حُكمَ الله فيه؟ وهذا الأمرُ إمَّا أن يكونَ حادثًا لَم يُحكم عَلَيهِ بِحُكمٍ من قبل؛ وإمَّا أن يَكونَ قَد حُكِمَ عليهِ من قبلُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت