فهرس الكتاب
وإنَّني والله لا أعجبُ عَجبي ممَّن يتَّهم السَّلفيِّين بالاجتهاد بمثل هذا الإطلاق الذي لا يعرف عن السَّلفيِّين إلاَّ من الطَّاعنين عليهم، ولو أنَّ أولئك الطَّاعنين قَصروه على العلماء النَّابهين من السَّلفيِّين -وذلك القرونَ كلَّها- لصدقوا ولأنصفوا؛ لكنَّهم بهذا الإطلاق ما أرادوا إلاَّ الإساءَة بالقول، والأذى باللسان، وقد حرَّم الله هذا وذاك؛ لأنَّه خَرقٌ لأعراضِ المُسلمين، وتطاولٌ عليها، و"كلُّ المُسلم على المُسلم حرام: دمهُ، ومالهُ، وعرضهُ" (35) ، فأين يذهب أولئك الخرَّاصون من بَهتِهم هذا، والنَّيل من أعراض إخوانٍ لهم من المسلمين، حرَّمها الله كما حرَّم الدِّماء والأموال.
والعصور كلُّها مملوءَةٌ غاصَّةٌ بمثل هذا البهت والتَّطاوُل، وكلُّ عصر يأخذ هذا عن الذي قبله لِيُهَيِّئهُ للذي بعده، ومن يأتي لا بدَّ وأن يُسعدَ الآتي من ورائه بشيءٍ من عنده، يزيدهُ على الذي ورثه عمَّن قبله، كأنَّما كَتَب القومُ على أنفسهم أن لا يَدَعوا سبيلًا، يصلهم بالإساءةِ لإخوانٍ لهم، تَجمعُهُم بهم وَشيجة نَسبِ الإسلام إلاَّ وسَلكُوه، فإنَّا لله وإنَّا إليهِ رَاجعونَ.
وإنَّه لو كانَ للسَّلفيِّين أن يَفخَروا بأمرٍ تفَرَّدوا به في النَّاس؛ لكان أعظَمَ مَا يفخرُون به ظَنُّهُم الحَسَن بأنفُسهم - مِمَّا أنعَمَ الله بهِ عَلَيهم - أنَّهم مُقَلِّدون مُتَّبِعُون، لا يَعصُونَ نبيهم صلى الله عليه وسلم وإمامَهُم فيما أمَرَهم به، ويَفعلون ما يُؤمَرونَ به مِمَّا يأتيهِم عنهُ مِن غَير أناةٍ ولا تَرَدُّدٍ، ولا تَخيُّرٍ!! (36)
بَل إنَّ إجلالَهم لِذاتِهِ المَصونة من العُيوبِ، المُبَرَّأةِ من النَّقائض، الوافرةِ بالكَمال، هوَ عندهُم من أحسَن مَا يتَقَّربُون به إلى الله سُبحانَهُ وتعالى من الطَّاعاتِ، وليسَ يُعرفُ هذا عَن أحدٍ سِوَاهم في الأُمَّةِ، ومَا حَفِظتهُ عَيبةُ التَّاريخ لهم في هذا يَكفي دَليل صِدق ظَاهرٍ لهم.