فهرس الكتاب
وقد كتب لنا التَّاريخ أسماء أُولئك العلماء بمدادٍ من النُّور والذَّهب، وجعلَ من كتبهم ورسائلهم ومؤلَّفاتهم براهين ناطقةً -ما ذهب منها وما خفي، وما ظهر منها أو بقي- لأنَّ الدُّنيا ما عَرَفت أكبر منهم إحاطة بعلوم الوحي، ولا أصدقَ من أقلامهم في حفظها بأمانةٍ، ولا أبينَ من ألسنتهم وأفصحَ في حلِّ مشكلاتها والدِّفاع عنها، يستوي في ذلك من كان منهم في عهد النُّبوَّة، ومَن جاءَ من بعده، ألم يقل ربُّنا: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر: آية 9] ؟! ومِنْ حِفْظِ هذا الذكر أن يجعل الله في كلِّ قرنٍ علماء حَفَظةً ينفون عنه الرَّيب، ويكشفون عن خبايا الظُّنون الطَّاعنة عليه، ويصدُّون عن آياته وأحكامه عاديات الفتن المصنوعة على عيون دهاقنة الفلسفة والمنطق وعلم الكلام.
جمالَ ذي الأرض كانوا في الحياة وهم بعدَ المماتِ جمالُ الكُتبِ والسِّيرِ
لذا؛ فإنَّ هؤلاء العلماء هم مَن يجب البحثُ عنهم، واستقراءُ أقوالهم وفتاواهم حين تعرض عارضةٌ -أو تقع حادثةٌ- بالتَّدرُّج ا لواعي المقارن بين الأعلم منهم و بين مَن هو دونه، حتى إذا ما عُلمَ الأعلم، قُدِّم، وهكذا...
وهذا ليس اختراعًا من السَّلفيِّين أنفسهم في عصورهم المتأخِّرة، بل هو شيءٌ من المنهج نفسه، شرعه للأُمَّة -بوحي من الله- نبيُّها صلى الله عليه وسلم؛ إذ أنَّه كان يأمر بأن يُقدَّم في إمامة الصَّلاة، الأقرأُ لكتاب الله، ثمَّ الأعلم بالسُّنَّة، ثمَّ الأكبر سنًَّا، كما كان أيضًا يُوَلِّي حَفَظَة القرآن في سرايا الحرب قيادتها.