الصفحة 88 من 291

وما كان هذا إلاَّ لأنَّ الصَّلاة والجهاد، يحتاجان الفقيه؛ لا لإبداء الرَّأي في أمور تَعرِضُ؛ فهذه يكفي أن يكون الحافظ الفقيه واحدًا من الجند، إن كانت الحاجة إليه لمثل هذا؛ لكن هناك أمورًا أخرى غيرها، تحتاج إلى إعمال النَّظر، وبيان حكم الله فيها، والأمير الفقيه العالم إذا قضى في أمر؛ فإنَّما يقضي فيه بما علَّمه الله، فهو موقِّعٌ عن الله في قضائه، ولا يُرتَضى قضاؤه إلاَّ أن يكون مؤسَّسًا على الشرع الإلهي المعروف من الوحي الأمين.

ثمَّ إنَّ تفضيل الحافظ الفقيه على غيره بالتَّقديم، هو من التَّكريم الذي شرعه الله، وحريٌّ بالأُمَّة التي يكرِّم الله علماءَها، أن تكرِّم نفسها بتكريم هؤلاء العلماء الذين كرَّمهم الله لعلمهم.

وحين تعرف الأُّمَّة من هم العلماء الذين حَظوا عند الله بهذا التَّكريم؛ تعرف هي كيف تختار العالم الذي تأمنه على دينها، وترضاه حَكَمًا فيما لها من أُمورها، إنَّه العالم الذي لا يقول قولًا ولا يفتي فُتيا إلاَّ والدَّليل يبن يديه من كتاب الله ومن سنَّة نبيِّه، يهديه إلى قوله ذاك، أو إلى فُتياه هذه.

وأمور الأمَّة العامَّة التي لا تُحّدُّ بحَدٍّ، ولا تقف عند نهاية للحوادث التي تطرأ والأحوال التي تنشأ؛ أولى أن يُبحث لها عن العالم المُلتزم منهج الكتاب والسُّنَّة، ومثلُها في ذلك الأمورُ الخاصَّة بالفرد الواحد، أو الثُّلَّةُ الصَّغيرة من المُسلمين، فدين الله سبحانه بالفُتيا لا يُعرف إلاَّ من مثل هؤلاء العلماء الذين دوَّن قلمُ التَّاريخ ذِكْرَهم، وحفظ في صحائفه سِيرَهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت