الصفحة 89 من 291

والأئمَّةُ الأربعة رحمهم الله جميعًا، لشيوع مذاهبهم، ووفرة الكتب التي آُلِّفت فيها، وكثرة العلماء الذين برعوا في مسائلها وقضاياها؛ هم أقرب العلماء عند السَّلفيِّين، وأدناهم منهم، وهم أحرص ما يكونون على استيفاء حاجتهم العلميَّة من مذاهبهم؛ لا على نحو ما يصنع المتمذهبون بمذاهبهم -من المقلِّدة المستسلمين لكلِّ ما قالوا؛ بل لكلِّ ما نُسب إليهم- بل لكلِّ ما نُحِلوا- بل على نحو ما يصنع مجتهدو المذاهب من الاتِّباع والنَّظر المُقسط والتَّرجيح بالأدلَّة المُعتمدة لدى علماءِ المذاهب.

والنَّصَفَة والتَّقوى يقضيان أن نقول: إنَّ الأئمَّة الأربعة رحمهم الله -بمجموع مذاهبهم- وفَّروا للأُمَّة جُلَّ ما تحتاجه في حياتها من مسائل العبادات والمُعاملات والسِّيَر، وغير ذلك، ويسَّروا لها تناول هذه المسائل، وأودعوها -بأمانةِ العلماءِ الأتقياءِ الجهابذة كُتُبًا خلَّدها التَّاريخ، وخلَّدت هي التَّاريخ الذي خلَّدها، ثمَّ جاء من بَعدِ رؤوس المذاهب، أصحابٌ وتلامذةٌ لهم، ثمَّ علماء استظهروا مذاهبهم، وحفظوا أقوالهم، وغُرموا بها، فكان لهؤلاء وأولئك عِلمٌ أُضيفَ إلى علم رؤوس المذاهب -رحمهم الله جميعًا- فصار لكلِّ مذهبٍ من المذاهب علمٌ وفيرٌ جدًَّا في كلِّ فرع من فروعه، وفي كلِّ باب من أبوابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت