فهرس الكتاب
فمن أراد أن يجعل علم المذاهب الأربعة هو الباب الذي ينفذ منه إلى جميع ميراث العلماء فقد أخذ بحظٍّ وافرٍ من العلم وأسبابه، يغنيه عن الكثير الكثير، وما عُرف عن المشاهير من العلماء الذين شُهروا أنَّهم رؤوس علماء السَّلف إلاَّ هذا، ومن شاء أن يُشهِدَ نفسه على ما نقول؛ فلينظر في كتب المتأخِّرين من هؤلاء العلماء وكتب المُتقدِّمين أيضًا؛ فإنَّه لسوف يعلم علم اليقين أنَّهم لم يخالفوا عن هذا البتَّة، ولعلِّي أستطيع القول: إنَّ أكثر النَّاس أخذًا عن المذاهب الأربعة وعلمائها هم السَّلفيُّون، وبهذا يصدق عليهم أنَّهم مقلِّدون متَّبعون، كما يصدق على الصَّحابة أيضًا هذا الوصف بالنِّسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
لكنَّ هناك فرقًا بين أخذ الصَّحابة وأخذ مَن بَعْدَهم، فالصَّحابة أخذُهُم كان بغير وساطة؛ أمَّا من بعدهم من السَّلفيِّين فكان بوساطة.
وفرقٌ آخر: أنَّ الصَّحابة لم يكونوا بحاجةٍ إلى التَّحري لمعرفة الصَّواب من الخطأ، وكيف يكون ذلك وهم على الصَّدر الذي لا يغيض، وعلى منبع الوحي الأمين، تتلقَّفُ أسماعُهم كلَّ ما ينطق به، وما ينطق عن الهوى، ويرون بأعينهم حركات حروفه وهي تخرج من بين شفتيه؟!
أمَّا من جاءَ من بعد الصَّحابة رضي الله عنهم، فقد كانَ تحرِّي الصَّواب جزءًا من مهمَّة التَّلقِّي عن طريق السَّند، ومن هنا كان السَّند العالي والسّند النَّازل، والحِرصُ على السَّند العالي إنَّما كان لتقصير سند المرويِّ، فيكون المرويُّ أرفعَ منزلةٌ من مرويِّ السَّند النَّازل.