فهرس الكتاب
غير أنَّ زمان السَّند النَّازل قَصُر جدًَّا جدًَّا، وذلك حين وجدنا مِن علماء السُّنَّة مَن يُثبتون مرويَّاتهم بأسانيدها الصَّحيحة ورواتها الأثبات، فصار طالب العلم يجتاز المسافة الزَّمنية الطَّويلة الفاصلة بين الرُّواة في لحظات قصيرةٍ جدًَّا، وعيناه لا تكادان تطرفان، يستوعب فيها علمًا كثيرًا لا يسعه إلاَّ أن يدعو لأولئك الرُّواة، وقد أعجزه أن يُدرَك شأوُهم أنَّه على الأقل ليس في زمانهم، ومثل هؤلاء العلماء قليلون جدًَّا جدًَّا، ولكن توفُّرَ وسائل الطِّباعة والنَّشر يسَّرت شيوعَ هذا العلم، وقصَّرت المسافة يبنه وبين طلاَّب العلم.
ولست بمعرِّج طويلًا لنقد الإجازات العلميَّة التي كثرت في العقودِ المتأخِّرة، وصارت تباهيًا عند كثير من طلبة العلم، وهم يحسبونها قد زادَتهُم علمًا إلى علم، ولست أحسبها كذلك؛ فهي قد آلت إلى ما يشبه القراءة المجرَّدة لكتاب من كتب السُّنَّة، فلو أنَّ طالب الإجازة من شيخ ما اقتصر على قراءة الكتاب لكانت هي الإجازة نفسها، إذ لا فرق أبدًا.
وحين تسمع هذا المُجاز بإجازته التي يباهي بها، أو يحدِّث أو يسرد حديثًا فلربَّما أخطأ في واحد أو أكثر من رجال السَّند، أو أخطأ في نصِّ الحديث الذي يسرده!!
إذًا؛ فحسبنا من الإجازات سماعها، ويمكن للمُجدِّ من طلاَّب العلم أن يكون محدِّثًا بلا إجازة، وبخاصَّةٍ بعد أن صارت كتبُ السُّنَّة ورجالها وعلومها سهلةَ المنال.
وقد عرف أهلُ الحديث ما يُعرف بالوِجادَةِ، وهو الوقوفُ على كتاب مصنِّفٍ ومعرفُتُه والرِّوايةُ منه.
وبطباعة كتب السُّنَّة وتحقيقها والعثور على ما كان في حكم المفقود أو الضَّائع منها، وتبادل الخبرات التُّراثية، ويسر الاتصال بين المكتبات ودور العلم والنَّشر والطِّباعة: لم تعد الوِجادة أمرًا مُرهقًا ولا صعبًا.