فهرس الكتاب
بيد أنَّ هذا خلَّف أثرًا سلبيًَّا في نفوس كثير من أهل العلم؛ إذ قَد أعجزهم أن يكون لهم شأنٌ في السُّنَّة وعلومها -رغم تيسُّر كتُبها وعلومها- في حين أنَّه قد نبغَ كثير من طلابهم وتلامذتهم، أو ممَّن هم في مثل طبقتهم، وتفوَّقوا عليهم في دقَّة التَّحقيق والتَّأليف، والتَّرجيح والاجتهاد في مفردات المسائل، وصار توجُّه الشباب في كل بلاد الدُّنيا إلى هؤلاء الشيوخ والطلاَّب والتَّلاميذ (42) .
ولا يُنكَرُ أنَّ نفرًا من علماء السُّنَّة في عصرنا، بلغوا في مضمار السُّنَّة وعلومها مبلغًا ربَّما عجزَ عنه السَّابقون الأوَّلون منهم، والعجب ممَن يرى -من بعض الغلاة الحاملين بغضاءَ منهج السَّلف- قصورَ فضلِ الله سبحانه عن إدراك هؤلاء النَّفر أن يكون لهم شأن في السُّنَّة وعلومها، وأحسب -والله- لو كان فضلٌ من فضل الله بأيديهم، وعلموا أنَّه مدرك هؤلاء النَّفر -الذين منَّ الله عليهم بهذا الفضل- لحبسوه عنهم وضنُّوا به لو علموا أنَّه مدركٌ غيرَهم؛ حتى على أنفسهم!!
لكنَّ الله سبحانه صاحبُ فضلِه، وخالقُ النَّاس، وفضله الذي لَهُ يختصُّ به من يشاءُ من النَّاس الذين خلقهم.
وهناك نفرٌ من هؤلاء النَّفر، أصابهم شيءٌ من فضل الله من السُّنَّة، لكنهم منعوا أنفسهم من الخروج من طوق المذهبيَّة، وعاجوا بما أفضل عليهم منها على المذهبيَّة؛ إمَّا بمحاولةِ تطويع نصوص السُّنَّة لمذهبيَّتهم، وإمَّا بالفصل ما بينها وبين المذهبيَّة؛ فأبقوا أنفسهم في عناق وثيق مع مذهبيَّتهم، وجعلوا من السُّنَّة -أي: الاشتغال بها- مهنةً يتكسَّبون منها؛ فأفادوا غيرَهم ممَّن وثق بمهنة علمهم، وحَرموا هم أنفسهم من الإفادة منها، إلاَّ ما عادت عليهم من مكاسب ماليَّة ودنيويَّة! وكانت حسبهم!!