الصفحة 93 من 291

ومن هذا النَّفر الأخير -ممَّن أصاب حظًَّا من السُّنَّة وعلومها- من أوغل -بحكم نشأته وبيئته- في الانحرافات الفكريَّة والعقديَّة؛ حين شردت به نشأته عن الحق الذي منَّ الله عليه بمعرفته، وآثر عليه أن يبقى على ما نشأ عليه.

وليته وقف عند ما آثر أن يبقى مُقيمًا عليه؛ أخذ يعدو عَدْوَ الكواسر في أعراض علماء السَّلف الأوَّلين السّابقين منهم والمتأخِّرين، ويرمي أُهُبَهُم الطَّاهرة، ويُمزِّق أبشارهم النَّقيَّة، ويسلقهم بلسانٍ برئت منه التَّقوى، فأضلَّ بعد أن ضلَّ، واستاق أمامه أُغيلمةً صغارًا، وصبيةً جُهَّالًا، ينزع عنهم في كلِّ يوم جزءًا من الفطرة التي فطرهم الله عليها، حتى إذا ما نزعها جميعها قال لهم وابتسامةٌ صفراءَ تعلو شفتيه: {إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ الله وَالله شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة الأنفال: آية 48] .

وقد يسأل -في هذا المقام- سائلٌ: لماذا يُعنى السَّلفيُّون بكتب ابن تَيميَّة رحمه الله، وكتب تلميذه ابن القيِّم رحمه الله أكثر من عنايتهم بكتب غيرهما؟

لا أُريد أن أُطيل في الجواب عن هذا السؤال، وحسبي أن أقول فيه:

أوَّلًا: لأنَّ كتبهما أوعبت أبوابَ الإسلام كلَّها، واستوفت ما فات غيرهما من علماء الإسلام في عصوره كلِّها.

ثانيًا: مازَهُما الله سبحانه بخُلق الإنصاف والعدل، فلا ينتقصان أحدًا؛ حتى ولو كان عدوًَّا غاليًا لعقيدته الصَّحيحة؛ إلاَّ أن يكون حكاية منهما عن نفسه، أو عن غيره عنه.

ثالثًا: سهولة التَّعبير، واستحكام الجُمَل والفقرات ووضوح المعاني، واستقصاؤها، والتَّدرج العقلي المقنع.

رابعًا: معرفة مداخل الخصومة -سواءٌ أكانوا مسلمين أم كانوا غير مسلمين- التي يُظنُّ أنَّها نائلةٌ من الإسلام وعقيدته -وهي ليست كذلك- فكانت ردودهما عليهم ردودًا شافيةً وافيةً بالغةً الغايَةَ في الدِّقَّة والصَّواب والوضوح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت