ومن تواطأ معهم من الناس فاختارهم لأجل هذا التشريع فحكمه حكم من تواطأ مع الأحبار والرهبان على تشريعهم، الذين قد قال الله تعالى فيهم: (اتخذوا أحبارهم ورهبارنهم أربابًا من دون الله ... ) إلى قوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) .
وقد تقدم تفسير النبي صلى الله عليه وسلملعبادتهم الأحبار والرهبان، بأنها طاعتهم في التشريع. ومنه تعلم أن الأمر جد خطير ..
فكم من الناس قد هلك وتساقط في هذا الشرك الصراح ... ! مصداقًا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (وإن مما أتخوّف على أمتي أئمة مضلين، وستعبد قبائل من امتي الأوثان، وستلحق قبائل من أمتي بالمشركين) [1] فمن انتخب وتابع إمامًا من هؤلاء الأئمة المضلين المشرعين مُنيطًا به التشريع.
فإنما يختار في الحقيقة ربًا ليشرع له وفق أحكام الدستور، قد أشركه مع الله تعالى في العبادة، وقد قال سبحانه منكرًا على المشركين: (ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) وقال عز وجل: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) ؟؟؟
فهذه هي حقيقة العبادة التي صرفها أكثر الناس لغير الله في هذا الزمان .. وهذا هو شرك العصر الذي عمّ وطم، ولم ينجُ منه إلا من عصم الله.
إنه الدين الكفري المحدث الذي يسميه بعض دعاة العصر: حاكمية الجماهير أو تشريع الشعوب .. وحق له أن يسميه كذلك. فقد نص هؤلاء المشركين من عبيد القانون في دساتيرهم أن (الامة هي مصدر السلطات جميعًا) ومن ذلك السلطة التشريعية فقد ابتغوا واختاروا الديمقراطية (حكم الشعب) دينًا ومنهجًا لحياتهم .. ولمّا صعب عليهم تطبيق ذلك مباشرة عن طريق ممارسة ما يعرف بالديمقراطية المباشرة، تواطؤوا واصطلحوا على الديمقراطية غير المباشرة، كبديل عن ممارسة الشعب للتشريع
(1) رواه أبو داود و ابن ماجة عن ثوبان مرفوعًا بسند صحيح