أو يتعلقُ ببلد معين ويستميت في الوصول إليه والسكن فيه بحجة أنه أفضل، أو أن البلد الذي فيه لا يستحقُّ جلوسَ أمثاله فيه.
ونسي أنه عاملٌ وداعية، أرضُه وبلده التي يتمكن فيها من نشر دعوته بين الناس، وإخراجهم فيها من الظلمات إلى النور، فقد يكون بلدُ بنفسه فاضلًا على غيره، لكن المفضول أحيانًا يكون أفضلَ منه للمسلم لهذه الحيثية.
قال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود.
قال ابن تيمية: ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرضٌ يكون فيها أطوعَ لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ولا تتعين أرض يكون مقامُ الإنسان فيها أفضلَ وإنما يكون الأفضلُ في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور، وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة! فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس العبد عمله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء، وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا. [1]
24 -يقع في معصية فيستثمرها الشيطان ويرابي بها، ويقول: كيف تدْعُو إلى الله تعالى وأنت وقعت في كذا وعملت كذا، فلا يزال به حتى يقعده عن العمل والطاعة فيضيف إلى معصيته معصية أخرى وهي القعود عن أعمال الخير.
ونسي أخونا الكريم أن الحسنات يذهبن السيئات.
25 -المنافسة بين الأقران: فإذا رأى أن قرينه قد فاقه في علم أو عمل تعاظم ذلك في نفسه، وكره أن يمشي معه في سبيل واحد، واختار القعود على أن يقال: إنه أقل من فلان وفلان، ونسي: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
26 -حب الرياسة والعلو: فحين يرى أنه لم يتبوأ مركزًا في الدعوة، يتعاظمُ أن يكون تابعًا لغيره أنفةً وترفعًا وكبرًا، وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي والدارمي عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم: مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ. [2]
قال الفضيل بن عياض: ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يذكرَ الناسُ أحدًا عنده بخير، ومن عشق الرياسة فقد تُودِّع من صلاحه. [3]
قال عبيد الله بن الحسن العنبري: لأن أكون ذنبًا في الحق: أحبُّ إلي من أن أكون رأسًا في الباطل. [4]
قال ذلك حين رجع عن أقوال له خالفت السنة، فقيل له في ذلك وأنك لم تعد في مكانتك السابقة لما كنت على تلك الأقوال.
(1) - مجموع فتاوي ابن تيمية 18/ 283.
(2) - مسند أحمد ح 15224، سنن الترمذي ح 2298، سنن الدارمي ح 2614.
(3) - العوائق لمحمد الراشد / 88.
(4) - تهذيب التهذيب 7/ 7.