الصفحة 123 من 155

ومن هذا القبيل أن سعد بن أبي وقاص أتى بأبي محجن الثقفي يوم القادسية وقد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، فلما التقى الناس قال أبو محجن:

كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا ... واترك مشدودًا عليّ وثاقيا

فقال لابنة حفصة امرأة سعد: أطلقيني ولك والله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، فإن قتلت استرحتم مني. قال: فحلته حتى التقى الناس وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس. وصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فوثب أبو محجن على فرس لسعد يقال له بلقاء، ثم أخذ رمحًا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم وجعل الناس يقولون: هذا ملك لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الصبر صبر البلقاء والظفر ظفر أبي محجن، وأبو محجن في القيد، فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنة حفصة سعدًا بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم. فخلى سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذا يقام عليّ الحد وأطهر منها، فأما إذا بهرجتني [1] فوالله لا أشربها أبدًا"."

إن هذه الحوادث لا تحتاج إلى تنويه أو تعليق، وبها يظهر كالشمس في رابعة النهار ما هو تصور العقوبة في الإسلام، وكيف أن الإسلام إذ يوصد باب الجرائم ينشئ في الوقت نفسه، أسمى ما يكون من المشاعر الخلقية، وكيف أنه ينزلهم، بعد تنفيذ العقوبة فيهم، منزلة أعضاء مكرّمين في المجتمع مرة أخرى؟ والذين يقولون عن قانون الإسلام إنه قانون همجي، هم الهمج أنفسهم. فهل وجد في التاريخ البشري كله مثل هذا المستوى الرفيع من تهذيب النفس والإنسانية الفاضلة، التي سما إليه هذا القانون ببني آدم؟

4 -زد على ما قلنا أن ظروف الزمان وملابسات الجريمة لا بد من مراعاتها في إقامة الحدود ومن ذلك عدم إقامة الحدود في الحرب وعدم قطع يد السارق في المجاعة، وإذا دلت أحوال المتهم على أنه ارتكب السرقة اضطرارًا، فلا بد من مراعاة ذلك. فقد روي عن ابن حاطب أن غلمانًا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر رضي الله عنه. فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء، فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة وأقروا على أنفسهم. فقال عمر: يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم. فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: أما والله لولا إني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى أن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه جل له لقطعت أيديهم، وأيم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك. ثم قال: يا مزنى بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربع مائة. قال عمر: اذهب فاعطه ثماني مائة.

وهناك أمثلة كثيرة أخرى تدل على أن ليس قانون الإسلام بقانون أعمى لا يقيم وزنًا لتبدل الظروف وأحوال المتهمين، وإنما هو يفرق بين من قد ارتكب الجريمة اضطرارًا في واقع الأمر، وبين من قد ارتكبها بدون اضطرار حقيقي، ولذا قد فرّق بين الزاني المتزوج وغير المتزوج في عقوبتهما، كما لم يضع بمنزلة واحدة رجلًا ألجأته المجاعة إلى السرقة، ورجلًا ارتكبها وهو في نعيم ورفاهية.

(1) أي أهدرتني بإسقاط الحد عني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت