إن هذا الشعور الرائع بالمسؤولية الخلقية، قد أنشأه هذا التوجيه في نفوس أناس مخلوقين بالدم واللحم مثلنا، وإليكم عددًا من أمثلته، قد تجدون فيها نماذج حية لعدالة الإسلام وأخلاقه وتصوراته الثورية الرائعة، ما عسى أن يجعلكم تتساءلون في دهشة: هل بإمكان الإنسان أن يبلغ هذا الشأو العظيم في السموّ والرفعة؟
من الحوادث المشهورة في هذا الباب حادثة ماعزا الأسلمي، وبيانها أن ماعزا الأسلمي كان غلامًا يتيمًا في حجر هزّال بن نعيم، فزنى بجارية من الحي فأمره هزال أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بما صنع لعله يستغفر له. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه:"يا رسول الله إني زنيت"، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له:"ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه"، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال:"إني زنيت"، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال:"طهرني يا رسول الله فقد زنيت"، فقال له أبو بكر الصديق"لو أقررت الرابعة لرجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه أبى فقال"يا رسول الله إني زنيت فطهرني". فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم"لعلك قبّلت أو غمزت أو نظرت"، قال"لا"، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم"هل ضاجعتها"؟ قال"نعم". قال"هل باشرتها"؟ قال:"نعم". قال:"هل جامعتها"؟ قال"نعم"، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة لا تستعمل في اللغة إلا لفعلة الوطء خاصة، وهي لم تسمع منه قبل ذلك ولا بعده ولولا القضية قضية نفس إنسانية لما سمعها أحد من لسانه صلى الله عليه وسلم فقال:"أنكتها"؟ (ولا يكنى) قال"نعم"، قال"حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟"فقال"نعم"، فقال"كما يغيب المرو في المكحلة والرشاء في البئر"؟ فقال"نعم". فسأله النبي صلى الله عليه وسلم"هل تعرف الزنا"؟ فقال"نعم" أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من أهله حلالًا". فسأله النبي صلى الله عليه وسلم"أو قد نكحت؟"فقال"نعم". فسأل النبي صلى الله عليه وسلم من حوله من أصحابه"أبه جنون"؟ فأخبروه أنه ليس بمجنون. فسألهم:"أشرب خمرًا؟"فقال رجل منهم فاستنكهه أي تنفس على أنفه ليشم ريح فمه ليعلم هل شرب أم لا؟ فلم يجد منه ريح خمر. ثم قال لهزال"لو سترته بثوبك كان خيرًا لك". فعند ذلك أمر برجمه فرجم خارج المدينة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد رجمه بيومين أو ثلاثة أيام في مجلس من أصحابه:
استغفروا لماعز بن مالك فاستغفروا له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم.
ومن هذه الحودث حادث امرأة من غامد -حي من جهينة- جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله"طهرني". فقال"ويحك ارجعي فاستغفري وتوبي إليه". فقالت"تريد أن ترددني كما رددت ماعزا بن مالك إني حبلى من الزنا". فقال"أنت"؟ قالت: نعم، ولما كانت حبلى من الزنا ما أطال النبي صلى الله عليه وسلم استجوابها، كما أطال استجواب ماعز، وقال لها:"اذهبي حتى تلدي". فلما ولدت قال: اذهبي فارضعيه حتى تفطميه". فلما فطمته أتته بالصبي وفي يده كسرة خبز، فقالت"يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام". فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر برجمها، أقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبّها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له".