الصفحة 121 من 155

ففي المجتمع الإسلامي يُبحث بكل دقة في الأسباب الموجبة لارتكاب الناس الجرائم، ويعمل على محوها واستئصال شأفتها حتى لا يقع عبد من عباد الله في ظروف تجبره على سلوك طرق غير مشروعة لقضاء شهواته وغرائزه الفطرية، وإلى جانب ذلك، توضع الجرائم عقوبات صارمة لا تردعه عن معاودة الجريمة فحسب، بل تروّع كل من تسول له نفسه ذلك من أفراد المجتمع الآخرين.

هذا بالإضافة إلى أن الإسلام يعمل على إنقاذ الناس من العقوبة إلى حد الإمكان، فيشدّد أيما تشديد في شروط الشهادة لإثبات الجريمة، وتحدد مدة من الزمان لإجراء التحقيق قبل إجراء الحد، فإنه عسى أن يتضح خلالها خطأ الشهود في شهادتهم، ويلقّن القضاة أن يعملوا ما في وسعهم لدرء الحدود من الناس، ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"ادرأوا الحدود ما استطعتم"وقوله عليه الصلاة والسلام:"فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"، ومن جانب آخر فإنه محظور قطعًا إذا ثبتت الجريمة أن يعطف على المجرم، فيقبل نوع من الوساطة والشفاعة بحقه، أو يُؤخذ مركزه الاجتماعي أو مركز أسرته بعين الاعتبار. وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى:"وَلَا تَاخُذْكُم بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" [1] وفي الحديث: إن امرأة من بني مخزوم سرقت فرفع أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ثبتت عليها الجريمة أهم قريشًا شأنها فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أتشفع في حد من حدود الله تعالى"؟ ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد -صلى الله عليه وسلم- سرقت لقطعت يدها". (متفق عليه) ."

3 -ويجب ألا يكون الإنسان، بعد أن أدرك هذين الأمرين، جاهلًا بروح الإسلام، لأنها لبّ كل شرائع الإسلام ونظمه وقوانينه.

إن تصور العقوبة في الإسلام قائم على النصح والإخلاص، لا على الازدراء والكراهية، فهو لا يضرب أحدًا على غضب وحنق، ولا يوجد عنصر المقت والعداء في أي قانون من قوانينه، وإنما عامل"التطهير"هو الذي يلعب دوره في كل حد من حدوده، فلا يقيمه على أحد إلا لأن يطهر نفسه وروحه مما علق بهما من القذارة والدنس حتى ينجو من العقاب في الآخرة، وهو ينشئ في المجرم نفسه الاعتقاد بأن الله هو الحاكم الحقيقي، لا يخفى عليه فعل من أفعاله، وأن محكمة الآخرة هي المحكمة الحقيقية لا بد من مثوله أمامها، وعقوبتها أليمة مهينة إلى درجة أنه لا تقاس عليها عقوبات الدنيا، فهو إذا قدم نفسه للعقوبة في الدنيا بنفسه، فإن هذه العقوبة تطهره ويكون بعدها حينما يحضر في محكمة الآخرة كأنه لم يرتكب هذه الجريمة [2] ، وفي ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن من أصاب من هذه المعاصي شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له. ومن أصاب منها شيئًا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه".

(1) النور: 3.

(2) وما يجب أن يعرفه القارئ في هذا المقام أن الذي يقدم نفسه بنفسه للعقوبة، فإن فعله هذا بذاته مستلزم للتوبة والندامة، لذا فإنه بعد العقوبة يطهر من الذنوب في الدنيا والآخرة معًا. وأما المجرم الذي لا يقدم نفسه بنفسه للعقوبة وإنما يأتي مأخوذًا، فكان من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في أمره أنه كان يعظه ويلقنه التوبة بعد تنفيذ العقوبة فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت