وما يقال عن حدود الزنا والقذف يقال عن حد السرقة لأنه قد جُعل لينفذ أيضًا في مجتمع تطبق فيه تصورات الإسلام للاقتصاد ومبادئه ونظمه بأكمل وجه. وهناك بين قطع يد السارق ونظام الإسلام الاقتصادي رابطة لا يجوز ولا يمكن قطعها، فحيث يطبق نظام الإسلام الاقتصادي يكون قطع يد السارق هو من عين ما يقتضيه العدل وتتطلبه الفطرة، وحيث لا يطبق هذا النظام المتزن يكون قطع يد السارق أمرًا يخالف حكمة التشريع الإسلامي. والحقيقة أن عقوبة قطع اليد ما جعلت لمجتمع يعتبر الربا فيه أمرًا مباحًا، ولا تؤدى فيه الزكاة، وتباع فيه العدالة كسلعة من السلع، وترتفع فيه أسعار الحاجات الضرورية لكثرة الضرائب، ولا يصرف ما يتحصل من الضرائب كلها إلا في تهيئة وسائل الترف وأسباب البذخ لأجل فئات معدودة ففي مجتمع كهذا لا تكون عقوبة قطع اليد على السرقة، بل وعقوبة الحبس في بعض الأحيان إلا معاكسًا لما يقتضيه العدل.
والحقيقة أن الصعوبة التي طالما يعانيها الناس في دراسة التشريع الإسلامي للجنايات، إنما سببها الوحيد أنهم يضعون أمام أعينهم ذلك النظام الفاسد للحياة الاجتماعية الذي يسود اليوم في البلدان المتحضرة في الدنيا، ومع ذلك يريدون أن يكوّنوا لأنفسهم رأيًا عن عقوبات قطع اليد والرجم والجلد بمقارنة جرائم كثيرة الحدوث كالسرقة والزنا والقذف وشرب الخمر مثلًا. فالظاهر أنهم لا بد أن يجدوا عقوبات الإسلام وحدوده قاسية رهيبة في هذه المقارنة، لأنهم بأنفسهم يعتقدون على غير شعور أو بشبه شعور منهم، أن الأوضاع التي أنتجها هذا النظام للحياة، لا بد أن تكون فيها السرقة من الجرائم التي يستفحل أمرها، ولا بد أن يرتكس في أوحال الزنا الرجال والنساء بل حتى الأطفال والشيوخ بكثرة كاثرة. ولا بد أن تشتهر أخبار شنيعة عن اختلاط الرجال والنساء بصورة مريبة، ولا بد أن تتخلق الأجيال الناشئة في البيئة الفاسدة بأخلاق منحرفة. لأجل كل هذا فإن قلوبهم ترتجف عندما يتصورون أن قانون الإسلام للجنايات إذا طبّق في مثل هذه الأوضاع فعسى أن لا يسلم من الجلد ظهر أحد من الناس، كما تقطع أيدي الآلاف منهم ويرجم مئات منهم كل يوم.
ما من ريب في كون -حلمهم وفزعهم هذا على جانب من الصحة والوجاهة. ونحن كذلك نتصور، كما هم يتصورون، أن تطبيق قانون الإسلام للجنايات بعد فصله عن جملة قوانينه، ومع إبقاء هذا النظام القذر في هذا المجتمع المنحرف اليوم، يكون ظلمًا وتعسفًا، إلا أن الخطأ الذي لا يشعرون به هو أنهم يعتقدون هذا النظام القذر للحياة الاجتماعية -وقد استأنسوا بقذارته- وضعًا فطريًا للحياة الإنسانية، بينما هو يعاكس الوضع الفطري تمامًا. فسيطرة الشيطان هي التي فرضت هذا الوضع غير الفطري على العالم الإنساني. ومن الظلم العظيم بقاء هذا الوضع غير الفطري على العالم الإنساني. ومن الظلم العظيم بقاء هذا الوضع كما هو. إمنعوا هذا الظلم باتباعكم نظام الإسلام للحياة الاجتماعية في مجموعه، يتبين لكم بدون تعب، أن ليس الزنا والقذف والسرقة وشرب الخمر من رغائب الإنسان الفطرية، وليس وقوع عدد كبير من أفراد البشر فيها بمحتمل أبدًا. أما الوضع الاجتماعي الذي ينشئه الإسلام، فلا يمكن أن يمارس فيه الأفعال المستقبحة إلا عدد يسير من منحرفي الفطرة، والمعالجة السليمة بالنسبة لهم هو الرجم والجلد وقطع اليد.
2 -والأمر الثاني الذي يجب أن لا يغيب عن الأذهان في هذا الصدد هو ما في الإسلام من روعة الاعتدال والتوازن. ومن المحال قطعًا أن يفهم حقيقة أحكام الإسلام في باب الحدود والتعزيرات من يجهل خصائص الإسلام هذه.