الصفحة 119 من 155

الحدود الإسلامية [1]

1 -إن أول ما يجب أن يكون القارئ على بصيرة منه في ما يتعلق بالتعزيرات في الإسلام، هو القاعدة الكلية القائلة بأن عقوبة اليد وسائر الحدود الشرعية إنما جعلت لتنفّذ، حيث يكون نظام الدولة قائمًا على أصول الإسلام، وتكون الحياة المدنية والاجتماعية منظمة على ما قرر لها الإسلام من الأسس والمناهج، وذلك أن أصول الإسلام وقوانينه متماسكة لا تقبل التجزئة ولا يصح تنفيذ بعضها وإهمال بعضها الآخر.

فخذوا مثلًا الزنا وحد القذف [2] . فلهذين الحدين علاقة وثيقة بقوانين الإسلام للنكاح والطلاق والحجاب الشرعي وتعاليمه في الأخلاق الجنسية لا يمكن قطعهما عنها. والله سبحانه وتعالى ما جعل مثل هذين الحدين الصارمين للزاني والقاذف إلا في مجتمع لا تخرج فيه النساء متبرجات متزينات ولا توجد فيه الصور العارية ونصف العارية وروايات العشق والغرام والملاهي المثيرةللعواطف الشهوانية المرذولة، وتتوفر فيه للناس تسهيلات لازمة للزواج، وتطبق فيه أحكام الإسلام للفسخ والتفريق والطلاق والخلع على أكمل وجوهها فمن عين ما يقتضيه مجتمع كهذا بدافع فطرته، أن تنفذ فيه عقوبات صارمة للمحافظة على ما قد أقيم فيه من نظام متزن للحياة الاجتماعية، وليست مثل هذه العقوبات الصارمة مما ينافي العدل أبدًا، في حالة تيسير إرواء الغرائز الجنسية بطرق مشروعة، وتنظيف الحياة الاجتماعية من الأسباب المؤدية إلى اقتراف الفحشاء ومن المثيرات غير العادية فيه، إذ لا يتجاسر على ممارسة الجرائم الجنسية في مثل هذه الظروف إلا من كان ممسوخ الفطرة للغاية، ولا بد لحفظ خلق الله من ويلاته وشروره من عقوبات رادعة كهذه.

أما إذا كان الوضع يعاكس ذلك، فكان مجتمع الرجال والنساء مختلطًا، وكان الفتيان المراهقون والفتيات المتبرجات يجدون فرصًا متوفرة للاختلاط الحر والمعاشرة العلنية في المدارس والمكاتب والنوادي والمنتزهات والأسواق والبلاجات ومسابح الملاهي، وفي كل موضع من مواضع الخلوة أو الجلوة، وحيث كانت أسباب إثارة العواطف الجنسية المرذولة منتشرة بكثرة وفي كل جانب، وحيث كانت التسهيلات المنوعة متوفرة لقضاء الشهوات الجنسية بدون الرابطة الزوجية، وحيث كانت المقاييس الخلقية تبلغ من الدناءة والسفالة مبلغًا، لا يعتبر الناس معها العلاقات غير المشروعة بين الرجال والنساء عيبًا أو أمرًا مستقبحًا. نعم، إذا كان الوضع كما قلنا فمما لا مراء فيه أن تنفيذ حدود الشريعة فيم يتعلق بالزنا والقذف يكون منافيًا لحكمة التشريع الإسلامي. إذ من المتعذر، في مثل هذا الوضع على إنسان من النوع العادي ( Normal type) في اتزان طبيعته وسلامة فطرته أن يبتعد عن السقوط في أوحال الزنا. ولا يكفي لاقترافه الزنا في مثل هذا الوضع أن نعتبره مجرمًا خلقيًا من نوع غير عادي ( Abnormal type) . والحقيقة أن الله عز وجل ما جعل عقوبة الرجم والجلد لمثل هذا الوضع القذر المتفسخ.

(1) هذه كلمة نشرناها في مجلة ترجمان القرآن"تعقيبًا على كلمة نشرها كاتب شهير في مجلته عن الحدود في الإسلام."

(2) وهو اتهام رجل أو امرأة بارتكاب الزنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت