الصفحة 125 من 155

(ا) إن الحصيلة الحقيقية للمبدأ الأول لا تنحصر فقط في أنه لا يوجد إله إلا الله الذي يتفرد بالعبادة والسجود، بل تتسع دائرتها لتعني عدم جواز طاعة أحد غير الله، هذه الطاعة لا تتقيد بقيد في كل مجالات الحياة، فأمره يجب أن يُقبل على أنه هو الأمر، وقانونه هو القانون، كما أن علينا أن نقرّ أنه هو الحاكم الفرد، والسيد المطاع، والملك الحقيقي.

إن هذا المبدأ لا يجوز أن يعني مجرد اعتقاد شخصي، أو محض مسألة من مسائل الإيمان بالنسبة للفرد، ولكنه أكبر من ذلك بكثير، إذ هو يرسي أساس النظام الإسلامي للحياة كلها، وإنما كان على هذا الأساس المكين بناء رسول الله صلى الله عليه وسلم لدولة الإسلام ومجتمعه في المدينة.

لقد أسست الدولة الإسلامية في المدينة على فكرة (أيديولوجية) ، وهذه الفكرة لم تكن شيئًا آخر سوى أن الله سبحانه وتعالى هو الحاكم الأعلى والسيد المطاع والملك، وأن شريعته هي التي تقرر للإنسان نظام السلوك، وللدولة القانون الذي يُطبّق في الأرض"."

(ب) وطبقًا للمبدأ الثاني، فإن حقوق الوالدين تأتي من بين كل العلاقات البشرية في المكان الأول، ولا يتقدم عليها إلا حقوق الله وحده. فعلى الناس أن يحترموا والديهم ويطيعوهم، وأن يبذلوا غاية جهدهم في خدمتهم. إن الجو الأخلاقي للمجتمع يجب أن يكون بحيث يُنشّأ الأطفال على احترام واليهم وطاعتهم، ويجب أن تُغرس في نفوسهم روح هذه الخدمة وأن يستحثوا على العناية بوالديهم تمامًا كما كانا يعتنيان بهم عند الصغر.

إن هذه الآية ليست مجرد توجيه أخلاقي. بل هي الأساس الذي عليه شرعت فيما بعد الحقوق القانونية للوالدين كما وضحتها الأقسام المتعلقة بهذا الموضوع في كتب الحديث والفقه، وبسبب هذه الآية كذلك أصبح للوالدين مركز مبجل في نظام المجتمع الإسلامي وثقافته، ومن ثم أصبح واجبًا على الجماعة وعلى الدولة أن تتخذ الإجراءات اللازمة من أجمل حماية هذا المركز والمحافظة عليه. وعلاوة على ذلك فإنه في ضوء هذه الآية يتقرر مبدأ: إن الدولة الإسلامية يجب أن تضع سياستها القانونية والتعليمية الإدارية على أساس احترام نظام العائلة وتقويته، ودعمه بحماية الدولة له.

(جـ) والفحوى الحقيقية للمواد 3و4و5 في هذا البيان، هي أنه لا يجوز أن يقصر الإنسان كسبه على سد حاجته هو فقط، بل يجب أن يتبع مستوى متزنًا في الحياة لا إسراف فيه، وأن يكرس جزءًا من ثروته الفائضة لمساعدة أقربائه والمحتاجين والمعوزين ذوي الفاقة، ليسدوا حاجاتهم، وعلى هذا النهج تسري روح التعاون والتضحية المتبادلة والتكافل الاقتصادي ورعاية الأفراد لحقوق بعضهم البعض في جو الأمة الاجتماعي بكل أجزائه.

يجب على كل فرد أن يساعد أهله وأقاربه، وعلى الأغنياء أن يمدوا الفقراء يد المساعدة والمؤازرة ويعينوهم على مواجهة صعاب الحياة، كما يجب أن يضمن لعابر السبيل ما يلزمه من مأكل في أي أرض يمر بها. ويجب أن يتشبع الناس بفكرة هذا"الحق"في الإسلام حتى يشعروا دائمًا أن في ثرواتهم نصيبًا مفروضًا لأولئك الناس الذين يعيشون من حولهم. وأنهم إذا ساعدوهم فإنما يعطونهم شيئًا هو"حق"لهم، لا صدقة بالمعنى الشائع للصدقة. أما الذي لا تمكنه ظروفه من مساعدة الآخرين، فعليه أن يجد لذلك شعورًا من الأسى في نفسه، وأن يسأل الله من فضله كي تتسنى له خدمة عباده وعونهم على تكاليف الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت