الصفحة 126 من 155

وكما رأينا في المبدأ الأول، فإن هذه المواد الثلاثة في هذا البيان الإسلامي لم يُقصد بها أن تكون مجرد مبادئ أخلاقية، بل ترجمت دولة الإسلام في المدينة هذه الآيات إلى أمر واقع حي، ولقد تم على ضوء هذه الآيات قيام نظام الصدقات الواجبة، والصدقات النافلة، ونظام الوصايا، والإرث والأوقاف، ووضعت ضمانات للمحافظة على حقوق الأيتام وممتلكاتهم، بل جعل الفقهاء واجبًا على كل محلة مكونة أن تستضيف -لمدة ثلاثة أيام على الأقل- أي مسافر يمر بها.

يجب أن تتسع دائرة هذا المعنى، فلا يدخر مجهود لبث روح التضحية والكرم والتعاون، ولانبعاث المعاني الإنسانية العميقة في نفوس المجتمع على نطاق واسع، حتى تقل أهمية الحقوق والمسؤوليات الأخلاقية في تقديرهم عن أهمية الحقوق والواجبات التي يفرضها القانون.

(د) وفي المادة السادسة يتقرر التوجيه الذي يدعو الناس ألا يقبضوا أيديهم ولا يبسطوها كل البسط، بل عليهم أن يتخيروا بين هذين طريقًا وسطًا، وأن يتصرفوا في ثرواتهم بحيث لا يعوقون الدورة السليمة العادلة للثروة، سواء بالبخل والتقتير أو بتبذير قواهم الاقتصادية بالإسراف في مختلف صوره. إن عليهم أن يحتفظوا بميزان في الإنفاق لا يترددون معه في الإنفاق حيث يجب الإنفاق، ولا يقعون معه فيما يمكن تحاشيه أو فيما لا داعي إليه، وأما الذين تدفعهم إلى الإنفاق نوازع النفاق والتبهرج والتظاهر بالغنى، أو الذين ينفقون للترف والتبذل والفساد أو في غير حاجة، فهم ينحرفون بالثروة إلى طرق خاطئة مضيعة للمال وغير منتجة، ويأثمون إذ يجحدون فضل الله عليهم فيما هيّأ لهم من طيبات.

إن الذين يسيئون استعمال ما يملكون بتبديده في الشر، إنما يرتكبون ما يجعلهم للشيطان قرناء:"إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ"ولهذه الآيات كذلك حجتها الشرعية والاجتماعية، فهي تتجه إلى تقرير أن المجتمع السليم يجب عليه أن يستعين بالتعليم الخلقي والضغط الاجتماعي والقيود القانونية لوضع حد لإضاعة الأموال، وإنما كان في ظل هذه الآيات واتباعًا لها، ما لجأت إليه الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة من تحريم صور معينة من الإنفاق وإيقاف تدفق الأموال في طرق بذاتها، والقضاء بإصلاحها الاجتماعي على كثير من العادات الخاطئة التي كانت مصدر الإسراف والغلو في الإنفاق. لقد كان من سلطان الدولة أن تضع حدًا لكل ما يظهر من أشكال الإسراف العام، وبهذه الإجراءات كلها حمت الثروات من الضياع.

وجنبًا إلى جنب مع هذا، تأتي الزكاة والصدقات لتوجها الضربة الحاسمة إلى الشح، وإلى احتمال تراكم الثروات واكتنازها، هكذا أرسيت الضمانات الكفيلة بتهيئة دورة سليمة للثروة في المجتمع، وبالثقافة الاجتماعية درج الناس على التمييز بين العاطفة الإنسانية والإسراف، وبين الكرم والسفه، وبين الشح والتقشف، وبين البخل وحسن التدبير، وشاع جو اجتماعي لا يجد فيه الشحيح أو البخيل إلا الإنكار والازدراء، بينما يثقل في موازين الكرامة فيه أنفع الناس للناس وكرماؤهم وأصحاب الحياة الموسومة بالاتزان دون تفريط ولا إفراط. وإلى هذه التنشئة الروحية والفكرية يرجع الفضل فيما امتاز به المجتمع المسلم حينئذ من احترام الكريم وحب الخير للناس، وازدراء البخيل وصاحب الأطماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت