والنص السالف يذهب أبعد من ذلك إلى تقرير أن عدم التكافؤ في الثروة ليس بالضرورة أمرًا غير طبيعي، لأن حالات عدم المساواة الراجعة إلى أسباب طبيعية لا دخل فيها لحدود مصطنعة من وضع الإنسان ليست شرًا من حيث الأساس، ولذلك ليس ثمة حكمة في محاولة استئصال بمساواة غير طبيعية إن التسوية بين غير المتساوين ليست مساواة على الإطلاق، والتعفية على عدم المساواة الذي هو وليد الطبيعة البحتة ليس من العدل، كما أن مد نطاقه إلى حدود غير طبيعية بحيث تستحيل التسوية، ظلم هو الآخر، وكلاهما في التطرف واستحقاق الملامة سواء، وإنما يسلم النظام الاقتصادي على قدر استمساكه على العدالة واحتفاظه بتوزيع الثروة في الحدود التي رسمها الله.
وقد كان من نتيجة هذا التوجيه أن استحال على"الصراع الطبقي"أن يجد مكانًا في دولة المدينة المنورة، ولم ينظر قط إلى التباين في الدخل والثروة على أنه شر في ذاته يجب استئصاله، بل أقرت الدولة الإسلامية بالفوارق الطبيعية المفطور عليها البشر، وبدل أن تعمد إلى فرض مساواة غير طبيعية اتجهت إلى صياغة المجتمع عن طريق الثقافة الأخلاقية والإجراءات التشريعية بحيث لا يصبح التفاوت وعدم التساوي أداة للظلم والاستغلال، بل وسائل لإشاعة كثير من الفضائل الاجتماعية والخلقية والاقتصادية.
(ه) والمبدأ السابع يدمغ بالكذب الأساس الذي يبني عليه دائمًا المدافعون عن تحديد النسل حركتهم، ذلك أن خوف الفقر ألجأ الناس إلى قتل ذرياتهم أو إلى الإجهاض، وثمة اليوم طريقة ثالثة لتحديد النسل هي منع الحمل! إن هذا البند السابع من البيان الإسلامي يوجه الناس إلى التخلي عن سائر المحاولات التي تستهدف إنقاص عدد الناس، وإلى أن يستبدلوا بذلك إخلاص التجرد بالقلب والنفس للمجهود البناء الذي يضاعف وسائل الإعالة الاقتصادية ويجعل من أعظم حماقات الناس لجوءهم إلى الإنقاص من عددهم لمجرد الخوف الوهمي من عدم كفاية الموارد الاقتصادية. إن الله سبحانه يقرر أن إمداد هذه الموارد ليس من شأن الإنسان ولكنه شأنه وحده، له الخلق والأمر، حبا الدنيا بكل ما هو ضروري من مصادر الخير، ولم يزل يغذو بفضله الذين مضوا قبلنا وسيظل يغدو سبحانه الذين سيأتون من بعدنا، فإنه هو الذي تكفل بإعالة خلقه رحمة منه وفضلًا.
وكذلك يحدثنا التاريخ عن زيادة الطاقة الاقتصادية في البلاد التي ازداد عدد سكانها، وغالبًا ما كانت نسبة النمو الاقتصادي أسرع، ثم إنه ما من مولود يأتي إلى هذه الأرض بفم ومعدة فحسب، إنه يأتي وقد زود بيدين وعقل، ومن الحماقة أن نظن أن النقص إنما هو في نظام الكون وأنه لا بد لتصحيحه من هدم ذرية الإنسان.
وقد ترتب على هذا التوجيه القرآني أن فكرة تحديد النسل لم تستطع التأثير في المجتمع المسلم، ولم تجد لها سوقًا رائجًا بين أبنائه.
(و) "ولا تقربوا الزنا"أمر موجه إلى الفرد وإلى المجتمع على السواء، وهو بالنسبة للفرد لا يعني أنه مأمور لاجتناب الزنا فحسب، بل باجتناب كل المقدمة التي قد تؤدي إليه، وهو بالنسبة للمجتمع يعني أن منع الزنا وحده لا يكفي، بل لا بد من القضاء على أسبابه ودواعيه ومثيراته وملحقاته حتى يقضي على الشر بجذوره وفروعه.
وتحقيق هذه الغاية إنما يكون ببناء الحياة الاجتماعية على أسس سليمة، وبالاستعانة بالتربية الخلقية والاجتماعية وبالوسائل القانونية وبكل ما يلزم مما سوى ذلك من تدبيرات ذات أثر في هذا المجال، فكلا الفرد والمجتمع مسئولان عن التحرر من شر الزنا الذي حرّمه الله.