الصفحة 128 من 155

هذه الآية الكريمة أصبحت مصدرًا لعدد من القوانين الاجتماعية والأحكام في الإسلام، وفي سبيل تحقيق غايتها جعل الزنا والقذف به من الجرائم التي يختص القضاء بنظرها والحكم فيها، ووضعت للزي قواعد وحدود، واتخذت خطوات مشددة لإيقاف تبذل الأموال والفساد، وحرّم شرب الخمر والرقص والتخنث والاسترجال، وتكامل قانون الأسرة الذي يجعل الزواج أمرًا سهلًا بسيطًا لا تعقيد فيه، وقضى على الأسباب الاجتماعية التي تؤدي إلى الزنا قضاء شاملًا يحيط بها من كل طريق.

(ز) والمبدأ التاسع يمنع قتل النفس الإنسانية التي حرم الله، وذلك يشمل الانتحار كما يشمل قتل الغير، فقتل النفس في الحالين أعظم جريمة في شريعة الإسلام، وقد أمر المسلم أن يحترز من التردي فيها وأن يظل بمنأى عن دواعيها. ومن الناس من سوّل له الوهم أن حياته الخاصة ملك له فهو صاحب الحق في أن يجعل لها نهاية، وهذا إغراق خاطئ في السذاجة، فإن حياة الإنسان ملك لله وحده وإنما الإنسان أمين عليها فليس له أن يسيء استعمالها، وقد أقامنا الله فيها بين يدي ابتلاء وتمحيص، فمهمتنا أن نظل دائمًا على استعداد لمواجهة هذا الابتلاء حتى نلفظ النفس الأخير، وألا يصرفنا عن معنى الابتلاء ما في الأحوال التي تحيط بنا من حسن أو سوء، وإذا كان الفرار من هذا الابتلاء حماقة ورعونة، فإن نشدان هذا الفرار عن طريق الانتحار -وهو جريمة بشعة- أسوأ السوء، والحماقة والجريمة حين تجتمعان فليس من ورائهما إلا الخزي في الحياة الدنيا وشر العقاب في الآخرة، فهل هناك خسران أبلغ من الوقوع في ألم وهوان خالدين في سبيل الفرار من تعاسات تافهة أو فشل عارض موقوت؟!

وقد حرّم الإسلام قتل النفس إلا بالحق، وحدّدت شريعته هذا الحق بحالات خمس:

1 -القصاص من القاتل.

2 -قتل العدو المحارب في حرب إسلامية.

3 -عقوبة الذين يحاولون قلب نظام الحياة الإسلامية.

4 -عقوبة الزنا للمحصن رجلًا أو امرأة.

5 -عقوبة الارتداد أو الخيانة العظمى.

وفي هذه الخمس يحل إعدام من تثبت جريمته في أية واحدة منها، وهي وحدها مجالات الحق المشروع الذي أسس عليه الإسلام استثناءه السالف من الحرمة العامة لنفس الإنسان وحياته.

ثم إن الله عز وجل يقول:"فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ"والمقصود بالسلطان هنا هو المبرر العدل لمطلب القصاص، ومن هنا يبرز مبدأ تشريعي إسلامي يجعل الخصم الأصيل في كل جريمة قتل هو ولي المقتول لا الدولة.

ولهذا الولي أن يعفو عن القاتل مكتفيًا بدية الدم، أو أن يعفو عنه عفوًا مطلقًا، أما الدولة نفسها فليس من حقها أن تمنح عفوًا.

ويمكن أن تتعدد ضروب الإسراف في القتل وسفك الدماء، وقد حرّمها الإسلام جميعًا أشد تحريم، مثل أن يقتل غير القاتل، أو أن يقتل القاتل بتعذيب شديد أو بوسائل بالغة الإيلام، أو أن يمثل بجسده بعد موته، أو أن يقتل حتى بعد أخذ دية الدم وهكذا ...

ثم يقول تعالى:"إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا"هذا مع أن الدولة الإسلامية لم تكن قد قامت بعد، حين نزول الوحي بهذه الآيات، ولم يأت بيان عمن ينصره إلى أن قامت الدولة فيما بعد، فكانت هي المسئولة عن تقرير العقوبة عن طريق القضاء، فليس لفرد أو مجموعة أو أسرة أو قبيلة حق تطبيق القانون للثأر من القاتل، لأن ذلك حق الدولة وحدها، وإنما على ولي المقتول أن يطلب تحقيق العدالة من الدولة التي يجب أن تؤدي ذلك على الوجه الأكمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت