(ح) والمبدأ الذي يسوقه النص العاشر لم يكن هو الآخر بمجرد نظرية أخلاقية، بل إنه دفع الدولة الإسلامية في المدينة المنورة إلى تدبير وسائل قانونية وإدارية لحفظ حقوق الأيتام، مما نجد تفاصيله في كتب الحديث والفقه، ومنه استمد المبدأ العام الذي يجعل الدولة الإسلامية مسؤولة عن حماية حقوق المواطنين الذين لا يستطيعون القيام على مصالح أنفسهم، ويشير إلى هذا الأمر بالذات حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يشكل مصدرًا لعدد كثير من أحكام الشريعة"أنا ولي من ولا ولي له".
(ط) والنص الحادي عشر أصبح بدوره حجر الزاوية في سياسة الدولة الداخلية والخارجية، فهو مبدأ أخلاقي وأساس توجيهي لسياسة الدولة في وقت واحد.
(ي) والفكرة التي تتمثل في النص الثاني عشر هي أن"الأمانة"ليست مجرد صفة فاضلة، بل هي كذلك أفضل سياسة اقتصادية، فهي خير لهذه الحياة الدنيا وللآخرة، إنها تبني في هذه الحياة السمعة الطيبة وتعين البائع على كسب ثقة المشتري، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى رواج التجارة ويساعد على دعم الرفاهية المشتركة، أما في الآخرة فإن الأمين سيحظى بخير وافر لأن الجزاء هنالك إنما يعتمد كله على أمانة العبد وخوفه من الله.
ويمكن أن نضيف هنا أن هذه الفكرة الأخلاقية شأنها كشأن سوالفها من الفكر، قد لعبت دورًا توجيهيًا في سياسة الدولة التي أصبح من مسؤولياتها مراقبة العمليات التجارية، والتأكد من سلامة الإجراءات التي يجري التعامل بها، وتفرعت عن ذلك القاعدة العامة التي تجعل من وظائف الدولة منع العمليات غير السليمة والاستغلال في الحقل الاقتصادي إقرارًا للعدل.
(ك) وفي النص الثالث عشر تصريح بأن الشبهة لا تجوز أن تكون أساسًا يبنون عليه، بل عليهم أن يوجهوا سياساتهم الفردية والاجتماعية في ضوء المعرفة التي يعول عليها، وقد كان لهذا الأثر القرآني الخالد آثار بعيدة المدى، ففي مجال القيم والمثل، أصبح من المبادئ المقررة أن يحترز الإنسان من إلقاء الشبهات والشكوك على الآخرين، وألا يثير المزاعم ضدهم دون تحر وتحقيق، أما في المجال الحقوقي فقد تقرر أنه لا يمكن اتخاذ إجراء ضد أي إنسان لمجرد شك حوله، وبالمثل حرّم القبض على أي شخص أو ضربه أو حبسه على أساس هذا الشك، وفي دائرة العلاقات الخارجية أصبح من غير الجائز أن تتخذ أية خطوة ضد شعب آخر أو دولة أخرى دون قضية عادلة، كما أصبح من غير المستساغ التعويل على الشائعات تأسيسًا على مجرد الشك، وفي التعيم لم تشجع الموضوعات التي لا تعتمد على أصول رصينة معقولة، والتي تقوم على جهالة أو خيال لا أساس له.
إن المسلمين إنما أمروا ليؤسسوا إيمانهم على ما أوحاه الله بواسطة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى ما جاءهم به النبي من تعاليم، أي على معرفة موثقة لا على خرافة أو جهالة!
(ل) وأخيرًا، فإن المسلمين مدعوون إلى التجرد من كل السمات والخصال التي يتسم بها أهل الكبر والطغيان ويستوي بين يدي هذا التوجيه الكريم نهج الأفراد في حياتهم ونهج الأمة في مجموعها، ومن معين هذه الآية المباركة انبثقت الحقيقة التاريخية التي تجلت في حياة ولاة الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، وفي حكامها، وفي قادة جيوشها، فقد كانوا جميعًا محررين من مظاهر الأبهة والعجب التي تتلون بها حياة الفارغين من أهل الكبر والمنحدرين إلى الهاوية من التالفين.
لقد عاشوا، رضوان الله عليهم، حياة سهلة متواضعة، وتميزوا في كل ما أثر من صفاتهم بالبساطة والاستقامة، وكانت سيماهم مزيجًا رائقًا من سماحة النفس وغنى القلب وخفض الجناح.